|   

النسخة: الورقية - دولي

منذ نهوض الحركة الوطنية الفلسطينية، أواسط الستينات، كان من المفترض أن تطلق مراجعات نقدية. بيد أنها، بفصائلها وتياراتها المتعدّدة، وبمثقفيها وأكاديمييها، فضّلت الاتكاء على تلك الأساطير وتوظيفها بما يخدم أغراضها، بل إنها أضافت أساطير مضرّة أخرى، قامت على تسييد العواطف والرغبوية والمبالغة بقدرات الفلسطينيين، رغم تشتت مجتمعاتهم وافتقادهم السيطرة على أوضاعهم وضعف إمكاناتهم، مع مقولات: «شعب الجبارين»، و «سنزلزل الأرض تحــت أقدامهم» و «القضية المركزية».

لعل من أهم هذه الأساطير توهّم الفلسطينيين احتكار مكانة الضحية، في العالم العربي، مع مستتبعات انبنت على ذلك من إدراكات ومراهنات ومتطلبات، بخاصة أن الأمر لم يعن عندهم أن قضيتهم هي الأولى والمركزية، فقط، وإنما أنه لا يوجد ضحايا آخرون، بل إن على الآخرين، أي كل المجتمعات العربية، أن تنسى مظلومياتها وقضاياها ومشاكلها، لمصلحة قضيتهم، باعتبارها «القضية المركزية للأمة العربية».

طبعاً، صدر ذلك عن إدراكات سياسية سائدة، تعتبر العوامل الخارجية، وضمنها مؤامرات الغرب وإقامة إسرائيل، الأساس في ضعف وتخلّف العالم العربي، لذا تم طرح شعار: «تحرير فلسطين هو طريق الوحدة العربية»، من جانب «فتح»، كبرى الفصائل الفلسطينية، لدى انطلاقتها (1965)، والذي تجرأت فيه على محاجّة أو مناكفة زعامة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، التي كانت وقتها أقوى زعامة عربية. والحاصل أن إدراكاً كهذا، يتعلق بغلبة العوامل الخارجية وتغييب العوامل الداخلية، أو التقليل من شأنها، تماهى مع التيارات القومية واليسارية والإسلامية، وإن اختلف معها جزئياً في الحيثيّة المذكورة.

هكذا، لم تقبل، أو لم تتفهّم، الحركة الوطنية الفلسطينية وجود قضايا أخرى في العالم العربي، غير قضيتها، لا سياسية ولا مجتمعية، لا اقتصادية ولا ثقافية، لا قضايا تتعلق بتغييب المجتمعات وضعف مبنى الدولة، ولا سيادة النظم الاستبدادية وغياب الحريات والهيمنة على الموارد، ولا تردي مستوى التعليم وتفشّي الفساد وضعف مكانة المرأة، بل إنها تصرفت وكأنها تغطّي على كل ذلك. والشاهد أن أقوى صلات لهذه الحركة، بكل تياراتها، كانت مع نظم استبدادية، مثل نُظم صدام والأسد والقذافي ثم نظام «الولي الفقيه» في إيران. مع علمنا أن غالبية الأنظمة اشتغلت على التغطي بالقضية الفلسطينية لتوظيفها في تعزيز شرعيتها، وتبرير مصادرة الحقوق والحريات وتغطية النقص في التنمية.

ثمة عامل آخر يفسّر ذلك وهو ضعف الربط بين قضيتي التحرير والحرية، في وعي الحركة الوطنية الفلسطينية بكل تياراتها، وهو امتداد لوعي سياسي عربي لا يرى قضايا الحرية والمواطنة والأفراد في مكانتها المناسبة، في خضم ما يدّعي أنه قضايا كبرى تتعلق بمواجهة الإمبريالية والصهيونية والرجعية، علماً أن هذه قضايا لا يمكن، أو لم تجر مواجهتها، إلا في البيانات الإنشائية والمهرجانات الخطابية، وتضخيم صورة العمل الفدائي.

لا نقصد هنا التقليل من مأساة الفلسطينيين، التي ظلت تعيد إنتاج نفسها، باستمرار إسرائيل، لكن لا ننسى أن ذلك تم، أيضاً، بفعل النظام العربي، وبنمط تعامله مع الفلسطينيين، وحطه من مكانتهم، و «مرمطته» كراماتهم، مع إعلائه شأن قضيتهم أو ابتذاله استخدامها، إن لتعزيز شرعيته أو تغطية سياساته الداخلية أو لابتزاز الأنظمة الأخرى. أيضاً، ليس القصد من ذلك التقليل من شأن معاناة الفلسطينيين، كضحايا على واحدة من أكبر مآسي القرن العشرين، إذ اقتلع شعب من أرضه، وحرم من الوطن والهوية والحقوق الأساسية.

المعنى أنه كان يفترض بالحركة الوطنية الفلسطينية، ونخبها المثقفة، أن تعطي قضيتها حجمها المناسب من دون مبالغات، ومن دون وضعها مقابل قضايا أخرى، وأن تأخذ في إدراكاتها أن لكل مجتمع قضاياه ومعاناته، وأن ثمة ضحايا غير الفلسطينيين في العالم العربي. هذا يتعلق، مثلاً، بملايين المشردين العراقيين في عهد صدام، ومعاناة الأكراد في العراق وسورية، ومذبحة حلبجة، والمآسي التي تعرض لها اللبنانيون نتيجة الحرب الأهلية والوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، ثم الهيمنة السورية عليه. وثمة معاناة السوريين في ظل حكم نظام الأسد، ومجزرة حماه (أوائل الثمانينات)، والأوضاع المأسوية والحرب الأهلية في السودان، وكيفية حكم القذافي ليبيا، والكثير من الأمثلة الأخرى، حيث في كل بلد مشكلة أو مأساة في واقع عربي يفتقد للدولة والمواطنة والحريات والتنمية والعدالة.

المؤسف أن ثورات «الربيع العربي» كشفت الحركة الوطنية الفلسطينية، سياسياً وأخلاقياً، بتياراتها وفصائلها، فبينما كانت تدعي، في الستينات والسبعينات، أنها مقدمة لحالة تثوير عربية على الواقع العربي السائد أو المتخلف، حتى لو كانت توجهه صوب إسرائيل، وكانت تأخذ على «الجماهير» العربية قعودها عن التحرك ضد الواقع الظالم، فإنها عندما أزفّت لحظة الحقيقة تماهت مع النظام العربي السائد، وارتدت إلى الدفاع عنه.

الأمر ظهر في أبشع صوره في وقوف فصائل فلسطينية إلى جانب نظام الأسد، ضد إرادة غالبية السوريين، باعتباره نظام «مقاومة»، مع معرفتها أن ذلك كذب وتدليس، وأن هذا النظام تعامل معها ومع قضيتها بطريقة استخدامية، وكورقة للمزايدة على الأنظمة الأخرى وابتزازها، ولتعزيز مواقعه الإقليمية، وأنه فعل كل شيء لتحجيم وجودها ودورها والهيمنة عليها، منذ أوائل السبعينات، وضمن ذلك وقف العمل الفدائي من الجبهة السورية (بعد حرب 1973)، والتدخل ضدها عسكرياً في لبنان (1976)، وافتعال الانشقاقات فيها بعد غزو لبنان (1982)، وطرد زعيمها ياسر عرفات من سورية، وزج معظم كادرات» فتح» في السجون. فالسيرة الفلسطينية لنظام الأسد، بمعزل عن سيرته مع السوريين، كان يفترض أن تكفي لنفض اليد منه، وإبداء التعاطف ولو الأخلاقي مع شعب سورية، بدل التصرف عكس ذلك، وهذا الأكثر إيلاماً، والظهور كضحايا يتنكرون لضحايا، وحيث دعاة تحرير يقفون ضد توق شعب آخر للحرية والكرامة والعدالة.

منذ زمن، بخاصة منذ تحولها إلى سلطة تحت كنف الاحتلال، لم تعد الحركة الفلسطينية مصدر توزيع هويات وطنية، على ما كانت تدّعي سابقاً، والمهم إجراء مراجعات فلسطينية للخروج من غواية الاعتقاد بالقضية المركزية ومنح الهويات الوطنية والاعتقاد باحتكار مكانة الضحية وقصة شعب الجبارين وغير ذلك.

وربما يجدر بالفلسطينيين أن يتحرروا من احتكارهم مكانة الضحية لتحرير أنفسهم من كثير من الأساطير والتوهّمات التي أضرّت بهم وبكفاحهم من أجل حقوقهم ومن أجل كونهم بشراً.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة