|   

النسخة: الورقية - دولي

أن يبدأ دونالد ترامب يومه بوصف بشار الأسد بالحيوان، وينهيه بوصفه بالجزار، فذلك قد لا يعادل تصريح وزير خارجيته من موسكو بأن عهد عائلة الأسد شارف على النهاية، بعد انتهاء محادثاته مع لافروف وبوتين. إذاً، يمكن القول إن ترامب يعبّر بطريقته الخاصة عن إجماع غربي، وشبه إجماع إقليمي، على طي صفحة عائلة الأسد، ولن تكون مستغربة مواظبته على توجيه الشتائم لشخص بشار بما يذكّر بمواظبة الرئيس الأسبق جورج بوش على إهانة صدام حسين في معظم إطلالاته الإعلامية.

تشبيه ترامب ببوش يتوقف عند هذا الحد، فهو على الأرجح لن يعيد تكرار تجربته في العراق. أيضاً، من الأفضل قراءة تصريح وزير خارجيته في موسكو بخصوص تنحية منظّمة لعائلة الأسد، وهذا أيضاً فحوى تصريح وزير الخارجية الفرنسي عن عملية سياسية تضمن تنحية بشار، إثر اجتماع وزراء خارجية الدول السبع الكبار. ذلك قد يشوش استعدادات من سيتهمون السلطة القادمة بالقدوم على الدبابات الأميركية، فالمطلوب حتى الآن قدوم السلطة الجديدة على متن تفاهم دولي وإقليمي واسع. لن ترن هواتف المعارضين السوريين، ليُقال لهم: تفضلوا بتسلم السلطة. على هؤلاء خفض سقف توقعاتهم من التطورات الجديدة، إذا كان مثل هذه التوقعات ما أربكهم ودفعهم إلى الصمت والانتظار في الأيام الأخيرة. ليس مرجحاً أن تبادر لندن، كما فعلت عشية الحرب على صدام، إلى استضافتهم على عجل وإرغامهم على التفاهم في ما بينهم، على رغم أن موقفها الأخير يحمل دلالة مهمة على تغير الموقف الأميركي، الدلالة التي يمكن التقاطها من تغير الموقف الأردني المساير لبوتين أيام إدارة أوباما.

لن يفعل أحد للمعارضة ما ينبغي عليها فعله، فإذا كانت انتظرت (وانتظرت معها غالبية السوريين) لحظة انتهاء حكم العائلة، فالمطلوب فهم اللحظة الدولية وملاقاتها بخطاب مختلف عما ألِفناه حتى الآن. فاليوم يُفترض الانتهاء من زمن المطالبات العمومية، وكذلك التخفف من نبرة التظلم التي رافقت غموض الرؤية الدولية حول مصير الأسد. الأهم هو البناء على الموقف الأخير، وامتلاك روح المبادرة لئلا تفقد الرؤية زخمها بسبب اليأس من وجود سوريين قادرين على تجسيدها، وربما تحسين شروطهم فيها.

هي فرصة المعارضة اليوم لتتفق على خطاب وطني، خطاب موجه أيضاً إلى عموم السوريين، والمسألة تتعدى ما كان يُقال سابقاً بابتذال عن تطمين الخائفين من التغيير. يلزم تعميم الإحساس والوعي بأن رحيل عائلة الأسد مكسب للجميع، باستثناء المستفيدين المباشرين من سلطة العائلة فساداً أو عنفاً. هذا يعني الإسراع بوضع تصورات لما بعد العائلة، تضمن التكافؤ بين مختلف السوريين، والتأسيس لمستقبل ينتفي فيه مفهوم الغلبة.

إذا كان عهد العائلة سينتهي فمؤدى ذلك أن النظام الذي بُني عليه في سبيله إلى الزوال، وأن الدعم أو التواطؤ الخارجيين استنفدا فرصتهما في الإبقاء عليه. المدخل إلى معالجة التركة الثقيلة يبدأ بالعمل الجاد على قضايا «اليوم التالي»، وتقديم تصورات عن العدالة الانتقالية تركز على محاسبة الرؤوس المتورطة في الدماء، مع إفساح المجال لاستيعاب قاعدة عريضة من معسكر النظام ستنفض عنه كلما اشتدت الضغوط واقتربت النهاية.

الأولوية ينبغي أن تكون منذ الآن للسلم الأهلي، الذي لن يتحقق طبعاً خارج إطار «مقبول» من العدالة، وفي عدم تحققه يكون أي كلام سياسي عن سورية الموحدة فارغاً من المحتوى. هنا قد يكون مناسباً ملاقاة الاتفاق الدولي على أن الحكم القادم يجب ألا يكون طائفياً، وملاقاة الطروحات التي تتحدث عن حكم لامركزي. التخلص من النظام الطائفي الحالي لا يصلح باستبداله بنظام مقلوب، ومن المؤكد أن أي حكم مركزي وصفة مثالية للاستبداد. التهرب من هذه الاستحقاقات بذريعة تركها للسوريين كي يقرروا في ما بعد ما يريدون حجة واهية وغير مقنعة، لأن المطلوب دولياً هو تقديم المعارضة رؤية واضحة شفافة للمستقبل، ومن دون ذلك لن تكون شريكة فيه.

على صعيد متصل، من الضروري للمعارضة الانطلاق من الحال التي وصلت إليها البلاد، والإعلان صراحةً عن أن الضعف الذي بلغته لن يجعلها في موقع التهديد أو الابتزاز لجيرانها، وأن سورية المستقبل ستعيش بسلام في محيطها ولن تكرر تجارب تصدير الإرهاب، كما حصل سابقاً في العراق ولبنان. هذا يقتضي التعهد بألا تكون البلاد مستقراً أو ممراً لأية جماعة مصنفة على لوائح الإرهاب العالمية، مثل القاعدة وأخواتها أو الجناح العسكري لـ «حزب الله». أما في ما يخص الموضوع الإسرائيلي فمن الأجدى لبلد منهك عدم الدخول في عنتريات لفظية، والإقرار بحاجته إلى قوة الشرعية الدولية، مع تلبية الطلب اللبناني القديم المتعلق بترسيم الحدود بين البلدين.

لقد قبلت المعارضة بقسمة مفاوضات جنيف، ما جعلها في موقع القانع بتمثيل مطالب جزء من السوريين، وفي حدها الأدنى. استحقاق التغيير يتطلب أن ترى المعارضة نفسها صاحبة مشروع وطني، وألا تصبح تالياً مفاوضات جنيف محدِّدة لدورها. بل أن تعمل على جبهتين، توجيه خطاب جامع لعموم السوريين، والدخول في مفاوضات مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في الملف السوري بناء على ذلك الخطاب. من دون تقديم تصورات متقدمة على المستويين السياسي والحقوقي لن تتمكن المعارضة من تأدية دور وطني، ولن تنجح في إقناع قوى دولية أو إقليمية غير متحمسة لها أصلاً، ولن يكون مستبعداً أن تستبدل تلك القوى طاغيةً بديكتاتور جديد يرعى توازنات مصالحها، ويستغل الحاجة الداخلية إلى وقف الحرب.

طوال السنوات الماضية، ابتُلِعت المعارضة من قبل الداعمين الدوليين والإقليميين، ومن قبل الفصائل التي فتحت خطوط إمدادها الخاصة مع مموليها، فضلاً عن تشتتها وصولاً إلى محاولات تمييعها بشخصيات أقرب إلى الموالاة. اليوم، لم تعد الفصائل العسكرية في أوج قوتها، ويُفترض أن الخارج سيُقبل على إنضاج تسوية الحد الأدنى بإنهاء عهد عائلة الأسد أخيراً. جزء من الوقت الذي تتطلبه العملية يتوقف على إقناع داعمي الأسد أو إرغامهم، وعلى تهيئة بديل له. هي فرصة لم تكن متوقعة قبل أيام قليلة، استثمارها يتطلب من المعارضة مخالفة ما هو متوقع منها، أي الفشل.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة