|   

النسخة: الورقية - دولي

«ما يحدث في سورية حرب وليست ثورة»، عبارة قالتها زميلة يسارية بوليفية في تعليق لها على كلام زميلة أخرى سورية.

فوجئت بالتعليق غير المتوقع، بناء على مناقشاتنا السابقة، وآثرت الاستماع صامتاً إلى تشعبات الحديث، الذي سرعان ما انتقل لتناول موضوع آخر لإدراك الطرفين مدى حساسية ما قيل، وتحسباً لمآلات غير محسوبة.

قابلت الزميلة البوليفية ذاتها في مناسبة أخرى وبينت لها أن موقفها من الوضع في سورية كان غريباً غير متوقع بالنسبة إلي. وجدتها ما زالت مصرّة على موقفها، لكنني لاحظت في الوقت عينه مسحة مختلطة من التشنج والبرود على وجهها، وهي سمة يتشارك فيها العقائديون عادة.

من الحجج الضعيفة التي اتكأت عليها لدعم موقفها: بشار الأسد منتخب ديموقراطياً، وكل المتطرفين الإسلاميين من جميع أرجاء العالم اجتمعوا لمقاتلة النظام بدعم أميركي، وغير ذلك من الأقاويل المعلّبة، الفاقدة لأية صلاحية تسويقية.

ويبدو أنها شعرت بتماديها في الدفاع عن حاكم مسؤول عن قتل أكثر من نصف مليون إنسان، ومسؤول عن إعاقة أكثر من نصف مليون، وتشريد أكثر من نصف الشعب وتدمير البلد، فقالت: لست ضد خروج الناس للمطالبة بحقوقهم، ولكن ما يجري في سورية ليس كذلك.

نظرت فيها ملياً، وأنا أفكر في مدى قدرة الايديولوجيا على تحويل الكائن الإنساني إلى مجرد آلة من دون أية حواس ومشاعر ومبادئ.

قلت لها: ما رأيك بخروج أكثر من ثمانية ملايين مدني معظمهم من الطلاب والمثقفين يمثلون كل فئات ومكوّنات الشعب، في يوم واحد، يطالبون سلمياً برحيل بشار؟ وما موقفك من جلب النظام لقوات «حزب الله» اللبناني- الإيراني، والفصائل العراقية المذهبية، والحرس الثوري الإيراني لمشاركته ومساعدته في قتل السوريين وتدمير البلد؟ وكيف تسوغين إقدام النظام بقيادة بشار على قصف المدن منذ أكثر من خمسة أعوام بالطائرات وبكل أنواع الأسلحة، بما فيها الكيماوية؟ أما الانتخابات الديموقراطية التي تتحدثين عنها فهي انتخابات 99،99 التي كانت تعرف بها الأنظمة الشيوعية السابقة، وهي نسخة عن تلك «الانتخابات الديموقراطية» التي تمت عندكم أخيراً، وأسفرت عن انتخاب اورتيغا رئيساً لنيكاراغوا وزوجته نائباً له.

ولم يكن أمامها من مجال سوى أن تنظر في الأرض، وتقول: لا أدري. حينئذٍ أدركت أن السطحية، والمواقف المسبقة، والعماء الإنساني، ومناصرة الديكتاتوريات بناء على الشعارات، من الخصائص المشتركة بين أتباع اليسار الإيديولوجي عموماً، وليست مقتصرة على «يساريينا» المحليين وحدهم.

من بين ما يسجّل للثورة السورية على رغم كل شيء، أنها أسقطت الأقنعة عن وجوه الجميع، فبات نظام العصابة، والقوموي المدعي، والعلماني المزيف، والمقاوم المذهبي، والإرهابي الجهادي، بات هؤلاء جميعهم في الخنادق المتكاملة المناوئة لتطلعات السوريين، يستمدون الدعم من القيصر الأحمر والولي الفقيه.

وعلى رغم كل القتل والتهجير والتجويع والتدمير على مدى ستة أعوام، وتقاعس العالم أجمع عن نجدة السوريين كما ينبغي، تمكّن السوريون بفضل صبرهم وتحملهم وثباتهم، من إفهام الجميع بأن إعادتهم مجدداً إلى حظيرة الطاعة لبيت الأسد وشركائهم باتت أمراً يتجاوز المستحيلات السبعة.

وقد عملت روسيا في هذا الاتجاه، اتجاه إعادة تأهيل النظام، باستمرار، لا سيما في مرحلة ما بعد حلب، وحاولت أن تظهر في هيئة المتحكّم بكل خيوط اللوحة السورية، ودعت إلى اجتماعات آستانة، وحاولت أن تفرض أجندتها في جنيف، وكانت في سباق مع الزمن، لمعرفتها الكاملة بأن الموقف الأميركي في نهاية المطاف هو الحاسم.

وقد بلغ استخفاف روسيا بالسوريين أنها قدمت للنظام كل أنواع الدعم العسكري والسياسي، وعملت جاهدة على «فبركة» المعارضين وتسويقهم، وهي تسعى الى تحديد الوفد المفاوض وفق معاييرها، وبطريقة تذكّرنا بمسرح العرائس الدمشقي. بل بلغ الأمر بالروس حد وضع الدستور للسوريين قبل المفاوضات، وذلك في لحظة درامية إبهارية، كان الغرض منها الإيحاء بأن المقادير والمصائر جميعها غدت في حوزتهم.

وجاءت الضربة الكيماوية على خان شيخون من جانب النظام، وبالتفاهم مع الروس والإيرانيين، وفي أجواء التصريحات الأميركية اللافتة بخصوص مصير بشار، لتكون في حسابات معسكر النظام أداة لبث الرعب الشمولي، تمهيداً لرسم حدود ممالك الرغبة والعقد الماضوية.

وخرج الروس على الملأ بحكاية كانت أكثر «معقولية» من حكاية بثينة شعبان غداة الضربة الكيماوية على الغوطة. لكن القاسم المشترك بين الحكايتين هو افتقارهما الى أية صدقية.

وتوجهت الأنظار جميعها نحو واشنطن التي خدعت تصريحاتها قبل خان شيخون النظام ورعاته. وكانت الضربة الأميركية التي كان أوباما لوّح بها كثيراً قبل أن يتنصّل من خطه الأحمر، مكتفياً بصفقة كان هو أكثر الناس اطلاعاً على جوانبها الرخوة، ومع ذلك اكتفى بالبعد الدعائي، وترك الجاني طليق اليد والقدرات.

ومن محاسن هذه الضربة الأميركية المحدودة أنها أكدت رسمياً للمجتمع الدولي المشلول مسؤولية «نظام» بشار عن استخدام الكيماوي. كما أرغمت الروس على إعادة النظر في حكايتهم التفسيرية - التضليلية حول ما جرى في خان شيخون، وسحب قواتهم في الوقت عينه من المنطقة التي كانت هدفاً للضربة الأميركية، وذلك في اعتراف ضمني بأن القوة الأعظم هي التي تقرر.

لقد كانت روسيا تريد إرغام المعارضة السورية على القبول بمنطقها القائم على أن ما بعد حلب ليس كما قبلها. والآن تبيّن للجميع، ومعهم روسيا بطبيعة الحال، أن ما بعد ضربة مطار الشعيرات ليس كما قبلها.

الضربة الأميركية على محدوديتها، وعلى رغم التساؤلات الكثيرة حول مراميها، وحدودها وجديتها، وإمكانات استمراريتها، تشكّل رسالة قوية للجميع، ولروسيا بخاصة، تؤكد أن مرحلة التفرد الروسي بالملف السوري انتهت. هذا بصرف النظر عما إذا كان ذلك التفرّد قد تم ضمن سلسلة تفاهمات أميركية- روسية سابقة أو لا.

أميركا موجودة بقوة في الجغرافيا السورية براً وجواً. وهي الفاعل الأكثر تأثيراً وقوة اقليمياً ودولياً. وعلى وقع خطاها ينظم الأوروبيون سيرهم، ويعبر حلفاؤها الإقليميون بمناسبة ومن دونها عن رغبتهم في التعاون والإسهام، وتجاوز مرارات وخيبات المرحلة الأوبامية.

أما خصوم أميركا، فيدركون تماماً أن قدرتهم على المجابهة محدودة إذا بلغت الأمور مرحلة الجد.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة