|   

النسخة: الورقية - دولي

بمناسبة يوم الجمهورية الهندية الـ68 بتاريخ 26 كانون الثاني (يناير) 2017، وتحول الاقتصاد الهندي من اقتصاد مغلق ومكبل بالقيود، ومنعزل عن العالم، وقطاع خاص ضعيف المنافسة يخشى العولمة، إلى اقتصاد متحرر ومنفتح يهوى المنافسة ومنخرط في العولمة وجاذب للاستثمارات وقطاع خاص نشط يساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ونمو مرتفع بلغ نحو 7.6 في المئة عام 2016، وجدت نفسي أبحث عن السياسات والإجراءات التي اتخذتها الهند وساعدتها على التحول الكبير الذي حدث في بلد بلغ سكانه نحو بليون و300 مليون شخص وناتج محلي إجمالي قدِّر بنحو 2.250 تريليون دولار عام 2016، أي ما يعادل نحو 17 في المئة من سكان العالم ونحو ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ما وجدته في أدبيات الموضوع عن التحول الذي حصل في الاقتصاد الهندي في شكل عام ودور القطاع الخاص الهندي على وجه الخصوص مثير للإعجاب والتقدير أولاً، والتساؤل عن السياسات والإجراءات التي وجهت القطاع الخاص الهندي للقيام بالإنجازات التي حققها ثانياً، ومنيت نفسي بقيام القطاع الخاص العربي على استعارة النموذج الهندي والاستفادة منه في الريادة والمساهمة الفاعلة في الارتقاء بالاقتصادات العربية نحو استدامة النمو والتطور. وفي التالي أحاول أن أبرِز أهم المحطات في تطور الاقتصاد الهندي ودور القطاع الخاص منذ الاستقلال.

استقلت الهند عام 1947، أي أن تجربة الهند في التنمية والديموقراطية تمتد نحو 68 سنة منذ الاستقلال. فخلال 1947 - 1991، كان الاقتصاد الهندي مكبلاً ومقيداً ومحمياً ومغلقاً ومنعزلاً. وفي ظل تلك البيئة، كان القطاع الخاص ضعيفاً في حلبة المنافسة، وغير كفي، ويهاب من العولمة ولا يحب التعامل مع العالم الخارجي. لذلك واجهت الهند صعوبات اقتصادية كبيرة أدت إلى تغير في نموذج التنمية خلال 1991 - 1996 حين شهدت الهند تحرير الاقتصاد من القيود، والانفتاح على العالم واستقبال الاستثمارات الأجنبية وتخفيض التعرفة الجمركية وتعزيز المنافسة في الأسواق الدولية ونمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تراوحت بين 5 و7.6 في المئة. وجاء عام 1997 الذي شهد بداية الأزمة المالية في جنوب شرقي آسيا، علماً أن الهند لم تشهد أزمة لكنها تأثرت فانخفض النمو الاقتصادي والنمو في قطاع الصناعة وجرت إعادة هيكلة وتقلص الإنتاج، وواجهت الهند صعوبات كبيرة خلال 1997 - 2002.

وهكذا شهد الاقتصاد الهندي تحولاً من اقتصاد محمي إلى اقتصاد منفتح ونام ثم إلى اقتصاد ضعيف النمو يواجه صعوبات جمة. لكن هذه الفترة شهدت أيضاً تغيراً في القطاع الخاص. فخلال 2003 - 2007، كانت الصناعة الهندية منافسة لا تخشى العولمة فتمكنت من تجاوز صعوبات السنوات الخمس السابقة وأصبحت تتطلع إلى الاستثمارات خارج الاقتصاد الهندي وارتفع النمو الاقتصادي إلى نحو 8 - 9 في المئة.

من المعروف أن القطاع الخاص الهندي تقليدياً هو الشركات العائلية الكبيرة، بعضها اندثر في 1947 - 2000، وبعضها أعاد الهيكلة وتمكن من المنافسة عالمياً وتعمل ووضعها جيد. وكثر من الهنود الرواد دخلوا قطاع الأعمال الكبيرة. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فعانت كثيراً من سوء إدارة الاقتصاد وكانوا غير أكفياء، لكنهم أعادوا الهيكلة في البيئة الجديدة للاقتصاد الهندي. ونمت وتوسعت هذه الشركات الصغيرة والمتوسطة بالقرب من وفي محيط 50 عنقوداً في مواقع جغرافية محددة. وأنجز القطاع الخاص تغيرات مهمة وواجه تحديات جمة نذكر منها التالي:

- بناء الطاقة البشرية: تبنى القطاع الخاص الهندي طواعية برنامج عمل تدريب في أنحاء البلاد وخصوصاً للضعفاء وتأهيلهم وتوظيفهم أو مساعدتهم على العمل لأنفسهم. وعلى رغم وفرة الملايين من البشر برز نقص في المهارات التي يحتاجها القطاع الخاص لذلك قام القطاع الخاص من خلال الحكومة التي كانت أنشأت معاهد تدريب في أنحاء البلاد، وهناك نحو خمسة آلاف معهد. لكن القطاع الخاص وجد أن هذه المعاهد لا تلبي الاحتياجات فأنشأ مراكز تنمية وتطوير المهارات لرفد ودعم عمل الحكومة. وفي المجال نفسه، أنشأت شركات القطاع الخاص مؤسسات لتوصيل التعليم الأساسي إلى القرى والمناطق الريفية.

- تطوير البنية التحتية والاستثمار: كانت الحكومة الهندية تملك وتدير وتشغل البنية التحتية، وتغير ذلك وأصبح القطاع الخاص شريكاً في بناء وإدارة البنية التحية في الهند.

- العناية بالصحة: دور مهم للقطاع الخاص برفد ودعم خدمات الحكومة وخصوصاً للأشخاص غير القادرين على دفع ثمن الخدمات الصحية في أنحاء الهند.

أدى الانفتاح الاقتصادي ورفع القيود إلى قدرة الشركات الهندية على المنافسة داخلياً وفي الأسواق العالمية. وكانت نقطة التحول للقطاع الخاص الهندي النجاح في تكنولوجيا المعلومات في تسعينات القرن العشرين. ووفرت تكنولوجيا المعلومات ثقة للقطاع الخاص بأنه قادر على أن يكون في المقدمة. أما نقطة التحول الثانية فهي النظرة إلى الناس. فحتى التسعينات من القرن العشرين، كانت النظرة إلى سكان الهند باعتبارهم عبئاً على الاقتصاد. وتغيرت النظرة وأصبح السكان ثروة والاستفادة من الثروة بعد تأهيلها في ظل تكنولوجيا المعلومات.

 

كاتب متخصص بالشؤون الاقتصادية

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة