|   

النسخة: الورقية - دولي

قد يغيب ممثلو الأحزاب الكبرى التقليدية التي هيمنت على الحياة السياسية الفرنسية في العقود الأخيرة عن الجولة الثانية من الانتخابات. وأفول الأحزاب التقليدية ليس عابراً، وليس مرده الى ضعف ممثليهم في هذه الدورة الانتخابية فحسب بل هو مرآة قطيعة أعمق: طيّ ديموقراطية تمثيلية ينزل فيها الحزب السياسي على طلب مجموعة اجتماعية ونهاية مرحلة كان المرشح فيها ممثل جماعة وكتلة آراء. وهذا الضرب من الديموقراطية ينحسر أمام ديموقراطية التماهي: المرشح يقترح على البلد اقتراحاً يقبله الأفراد أم يرفضونه. وإذا غاب المرشح أو قضى، لا بديل عنه، وهذه حال مارين لوبن، زعيمة «الجبهة الوطنية»، وجان لوك ميلانشون. والسمة هذه أبرز ما يميز ديموقراطية التماهي (مع القائد) (أو ديموقراطية شخصنة تلعب دوراً كبيراً فيها الصلة بين الناخب وزعامة لها طابع فردي). وانتقلت المجتمعات الغربية من نظام الطلب (السياسي – الاجتماعي) الى نظام العرض. والأحزاب هي آلة تحفيز اجتماعية، وهذه ليست حال الحركات الثلاث التي تتصدر لائحة نوايا الاقتراع في فرنسا: فـ «الجبهة الوطنية» ليس حزباً بل لجنة دعم آل لوبن؛ وميلانشون لا يقدم نفسه على أنه على رأس حركة جبهة اليسار التي تجمع أحزاباً يسارية صغيرة ومتباينة، بل على أنه قائد يقترح عرضاً على البلد ويرفع لواء التمرد. وإيمانويل ماكرون يبدو أقرب الى حركة «أون مارش» (الى الأمام). وهو يجذب أشخاصاً من سير بالغة التباين: بعضهم كان في الحزب الشيوعي، وبعض آخر في اليمين الليبرالي، وكثر من الناخبين يميلون اليه بذريعة الاقتراع المفيد.

وتبرز ظاهرة الميل الى شخص يبدو أنه «من خارج» (الحياة السياسية) أن فرنسا على مشارف انتخابات تاريخية ترسي قطيعة في الديموقراطية. وهذا المنعطف ليس فحسب مرآة تبدد الانقسام التقليدي بين اليسار واليمين في فرنسا، بل هو ظاهرة في عدد من الدول. ففي بريطانيا، جيريمي كوربن زعزع حزب العمال، والمحافظون ترنحوا على وقع انقساماتهم الكبيرة إزاء «البريكزيت»؛ وفي أميركا، ارتفعت شعبية بيرني ساندرز في معزل عن دعم الديموقراطيين له، وفي الإمكان القول إن ترامب بلغ السلطة رغم إرادة الجمهوريين. وتعاظم رجحان السلطة التنفيذية في الأنظمة الديموقراطية جفف الأحزاب السياسية، وصارت هذه من غير نفوذ فعلي ولا قوة جامعة. فانحسر دور الأحزاب ورجحت كفة التماهي مع الرئيس.

والمرشحون الى الرئاسة الفرنسية يعلنون أنهم متمردون وثائرون وساخطون وأنهم خارج النظام، ولو كانوا مرشحي اليمين الكلاسيكي. فعلى سبيل المثل، يقدم فرانسوا فيون، رئيس الوزراء السابق، نفسه على أنه مقاوم. ويبدو أن كفة المشاعر ترجح على كفة المصالح. ففي وقت يجبه الفرنسيون الحيرة والمجهول، تهيمن الأفكار السلبية. وصارت الديموقراطية تستند أكثر الى الانفعالات والمعتقدات مما تستند الى الأفكار. ونحن أمام حركة لا تقتصر على لفظ النخب، سواء رأى بعضهم أن وراءها أوليغارشية مالية أم مجموعة تملك حق الكلام والوسائل الاقتصادية الصحافية والثقافية والتكنوقراطية. فالمواطنون يشعرون بأن قرارهم مُصادر وأن لا حيلة لهم في شيء: لا في حق الكلام، ولا في القدرة الشرائية، ولا في وسائل الحكومة. ونبذ النخب يشير الى الخيبات الوثيقة الصلة بالمصادرة هذه. وفي الماضي، دار الكلام على الاستغلال، ولكن أعضاء المجتمع كلهم، وحتى غير الميسورين منهم، انتموا الى مجموعة نافذة ومنظمة تنظيماً تراتبياً هرمياً على رأسها نخب خاصة بها كانت تشد لحمة المجموعة. ولكن المجتمع لم يعد منظماً في مثل هذه الأجسام الجماعية التي تمنح كل فرد دوره وحصته، ونعيش في عالم مذرر حيث يعيش كل في منأى من غيره.

وتدور الحملة الانتخابية في فرنسا على مسائل مثل الهجرة والدين والهوية، بينما مشاغل الناخبين هي مسائل مثل البطالة والتعليم والخدمات الصحية. وتتصدر هذه المشاغل أولويات المواطنين، ولكنهم يشعرون بأن هامش المناورة ضيق. ففي مسائل مثل البطالة والرواتب، ودولة الرعاية، لم يعد الفرنسيون ينتظرون معجزة تقلب الأوضاع رأساً على عقب، بينما في المقدور التعويل على حل قضايا مثل الهجرة والعلمانية والهوية والسياسات الحمائية، وحسبان أن إرادة المرشحين التغيير وازنة وأن إجراءات ناظمة «بسيطة»، مثل فرض ضريبة على السلع المستوردة، وإغلاق الحدود، ستؤدي الى نتائج واضحة وملموسة ومباشرة. وفي وسع المرشح إعلان أن توقيعه المرسوم يبرم المسألة ويحلها. ولم يعد النقاش يدور على أفكار بل على إرادة المرشحين. فمن يقترح اقتراحات ليبرالية تعيب عليه لوبن نقص الإرادة أو الافتقار اليها، ومثلها يفعل ميلانشون. وليس مدار النقاش الديموقراطي على عرض رأيين جنباً الى جنب، بل على إمكان تغيير وجهة النظر إثر تبادل الحجج، والتمييز بين سوء تفاهم وخلافات فعلية.

ويدور الكلام على الشعبوية ويقال إنها الوجه الآخر للديموقراطية. ولكن أوجه التباين بينهما بارزة. والشعبوية تتسم بفكرة أن الشعب واحد، وأن ثمة تبايناً بين الشعب والنخب وأنه الانقسام الاجتماعي اليتيم في المجتمع، وتتسم كذلك بالترحيب بسلطة غالبية مهيمنة ضد سلطات مستقلة، وإعلاء شأن الاستفتاء ورفع لواء السياسات الحمائية. والشعبوية أنواع. فبعض الشعبويين يوصف باليساري وقد يلتزم سياسات توزيع العائدات الاجتماعية مثل البيرونية في الأرجنتين أو الشافيزية في فنزويلا أو البوتينية حين كان سعر النفط مرتفعاً. وثمة شعبويون يرفعون لواء الهوية القومية فحسب. والديموقراطية هشة على الدوام وأخطار العودة عنها كبيرة. ووجه الديموقراطية الآخر هو الانقلابات التي تتوسل بقوة السلاح الى إرساء نظام ديكتاتوري يتذرع بحماية الأمن القومي. والأنظمة الشمولية، التوتاليتارية، تقدم نفسها على أنها ديموقراطية «حقة» مُجمع عليها مع نسبة تأييد بلغ 99 في المئة. وهذه «الديموقراطية» لا تُعرّف من طريق إجراءات بل من طريق محتواها: خدمة الشعب والتصدي للـديموقراطية البورجوزاية «الكاذبة» التي تحتكم الى المساومة الرخيصة والهجينة. والتوتاليتارية هي مَرض من أمراض الديموقراطية، وهذه، اليوم، حال الشعبوية التي تزعم أنها تبعث الديموقراطية الهشة وتذلل التباين الاجتماعي والبطالة. والشعبوية هي اليوم في القرن الجاري ما كانت عليه التوتاليتارية في القرن العشرين.

 

 

* مؤرخ، عن «لوبس» الفرنسية، 6/4/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة