|   

النسخة: الورقية - دولي

شعبويات الخوف من اجتياح سكاني

ايفان كراستيف*

نشهد اليوم، في الغرب، انكفاء لا يقتصر على «استراحة» في سياق مسيرة متصلة، بل يتعداها الى عودة على العقبين. وتتولى هذه العودة تدمير عالم أنشئ غداة سقوط الجدار (برلين) في 1989. وليست سمة التغير البارزة هي ظهور أنظمة متسلطة بل التحول الجاري الذي يصيب عدداً من الأنظمة الديموقراطية الغربية.

فطوال العقدين اللذين أعقبا 1989، أدى شيوع الانتخابات الحرة الى استيعاب جماعات أقلوية كثيرة (قومية إثنية ودينية وجنسية) في الحياة العامة. والانتخابات اليوم، هي وسيلة تمكين هيمنة الغالبية وحدها. والغالبيات المهدَّدة هي القوة السياسية الكبيرة في أوروبا. وتخشى هذه اجتياح الأجانب بلادها، وتعريض أعرافها وسننها للخطر. وهي على يقين من ان هذه الحال هي ثمرة تآمر حاكته النخب التي تعتنق قيماً كوسموبوليتية كونية مع المهاجرين ذوي القيم القبلية. وشعبوية هذه الغالبيات ليست ثمرة حركات قومية رومانطيقية، على نحو ما كانت عليه الحال قبل مئة عام أو أكثر. فهي تتغذى من توقعات سكانية تنتظر، معاً، أفول أوروبا والولايات المتحدة وقدوم موجات هجرة كبيرة تحتل أراضيها وبلادها، الى الانقلابات المترتبة على الثورة التكنولوجية. ويحمل الهاجس السكاني الأوروبيين على تخيل عالم خالٍ من ثقافاتهم، بينما تعدهم الثورة التكنولوجية بعالم مقبلٍ على اختفاء المهن التي يزاولونها اليوم. فالرأي العام الأوروبي الذي كان في ما مضى قوة تقدمية، بل ثورية، انقلب قوة مناوئة للتقدم والانفتاح. وهذا الانقلاب هو العامل الذي يسوغ نشوء المنظمات الشعبوية في أوروبا، وهو السبب في فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية أخيراً.

 

ضغينة الضعفاء وسيادتهم المتوهمة

اوليفر ناشتوي*

من ينتابه شعور بالإقصاء الاجتماعي يخسر ثقته في نفسه. وكثر، في هذه الحال، يعمدون الى استراتيجيات متفرقة ترمي كلها الى استعادتهم ثقتهم هذه او تقويتها. ولكن الرغبة في معالجة الشعور بالإقصاء تقود آخرين الى التماس إكراه تفرضه عليهم من خارج قوة متسلطة. وسبق لنوربرت إلياس ان درس القومية – الاشتراكية (النازية الألمانية). ولاحظ أن اوضاع التهديد ملائمة لبروز «رغبة في التسلط الذاتي يتولاه صاحب سلطان قاهر». والضغينة، وهي التعبير عن هذه الرغبة، تتيح لكل الذين يرعبهم احتمال خسارتهم مكانتهم استعادتهم شكلاً من اشكال إثبات ذواتهم، وصوغ هوية جديدة، وشعوراً متجدداً بـ «نحن» متماسكة.

وعلى هذا، فالمسألة الأولى التي تطرحها النزعة المتطرفة الى الفردية هي دور الهويات الجماعية، أو مسألة «نحن» والمشاعر التي تصحبها وتلابسها. فسياسة الهوية هي كذلك، من هذا الوجه، رد على تجرف (تآكل) الجماعة (الوطنية) والروابط والهيئات الوسيطة.

وبعض الجماعات لا تحسب، منذ بعض الوقت، أن عليها التزام معايير متمدنة في مسلكها. وأفرادها يقضون أوقاتاً طويلة على الإنترنت، خارج كل أشكال المراقبة الاجتماعية، ولا يؤدون حساباً عن الآراء الناضحة بالكراهية التي يبثونها، ويتركون العنان على الغارب لأحكامهم المسبقة. فأنصار حزب البديل (الألماني)، وأنصار ترامب أو مارين لوبن، يتشاركون الانفعالات نفسها، ومركبات هذه الانفعالات تختصرها لفظة «ضغينة». وما يجمع هؤلاء هو نفي المدينة وفروضها اليومية باسم مدنية غربية متخيلة.

 

حلف اجتماعي وانتخابي جديد

بول مايسون*

ليست مهمة الاشتراكية – الديموقراطية استباق الرغبات المحافظة التي يعلنها انصار الشعبويين المتسلطين ويريدون تلبيتها. فهذه المهمة هي، بالأحرى، بلورة أفق سياسي يضطلع ببعث الثقة في الحلول المقترحة، ويتفق واحتياجات شطر غالب من العاملين - العمال وأهل الشبكات والحائزين على الشهادات الجامعية. ويفترض هذا قلب المقدمات التكتيكية التي تبناها أنصار «الطريق الثالث»، بلير وكلينتون وشرودر ورينزي. فهؤلاء عولوا على اقتراع الطبقة العاملة في المدن الصغيرة لهم، وخلصوا بناء على رهانهم الى ان مهمتهم هي كسب الطبقات الوسطى الى صفهم، على رغم وسطيتها السياسية. ولكن انهيار النيوليبرالية، وذواء الحساسية التقدمية التي كانت هي محل القلب من الثقافة العمالية، أبطلا هذه المقدمات. فعلى اشتراكية – ديموقراطية يحدوها العزم على الدفاع عن حقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين، والحرية الفردية وحماية المهاجرين – التسليم بأن قاعدتها الناخبة اليوم هي اصحاب الأجور المقيمون في المدن الكبيرة، والشبان المتواصلون من طريق الشبكات، واليد العاملة في القطاع العام وفي الشركات الكبيرة العالية التكنولوجية والمعولمة. وهذه الشرائح والفئات ينبغي أن يضاف إليها العمال المهاجرون والأقليات والنساء.

 

سيادة القومية الإتنية رداً على العولمة

ارجون أبادوراي*

يقر القادة الشعبويون بتطلعهم إلى قيادة دولهم وأوطانهم في وقت يشهد أزمة السيادة الوطنية. وعَرَض أزمة السيادة البارز هو خسارة الدول – الأمم الحديثة كلها، من غير استثناء، السيطرة على اقتصادها الوطني. وعلى كل الأمم، الأعظم ثراء والأشد فقراً، مواجهة هذا التحدي. فالاقتصاد الأميركي شديد التبعية للصين. وهذه تدين بتموينها بالخامات الى افريقيا وأميركا الجنوبية، وإلى بعض بلدان آسيا. والعالم كله، على مقادير متفاوتة، عالة على نفط الشرق الأوسط. والدول – الأمم كلها تقريباً تشتري الأسلحة ذات التكنولوجيا الدقيقة من عدد قليل من الدول الغنية.

والقول الذي ربط السيادة الوطنية بالسيادة الاقتصادية، وأرسى الأولى على الأخرى، كان على الدوام موضع شك، ويبدو اليوم فائتاً. فالدول الحديثة لا يسعها الزعم ان في مستطاعها حماية اقتصاداتها الوطنية وتنميتها. وثمرة هذه الحال تصدي دول وتيارات شعبوية كثيرة لبعث سيادتها الوطنية، والتوسل بثقافاتها الغالبة، وبقوميتها الإتنية الى غرضها، وخنق الخلافات الفكرية والثقافية الداخلية التي قد تعترض سبيلها. والحق يقال ان هذا النازع ليس مستهجناً. فخسارة السيادة الاقتصادية تستفز الخاسرين في بلدان العالم، وتدعوهم الى التلويح بالسيادة الثقافية، وتجعل من الثقافة مستودع السيادة الوطنية، وتلبسها لبوساً تتكيف مع الأحوال المتفرقة.

 

من «حزام الصدأ» إلى البيت الأبيض

نانسي فريزر*

نمت النيوليبرالية التقدمية في الولايات المتحدة في اثناء الثلاثين سنة الأخيرة. وكان انتخاب بيل كلينتون في 1992، بمثابة إبرامها والإقرار بها. فكلينتون هو حامل لواء «الديموقراطيين الجدد»، النظير الأميركي لحزب العمال الجديد البريطاني الذي تزعمه طوني بلير. وبديلاً من التكتل الذي اختط نهج «العقد الجديد»- الذي جمع عمال الصناعة النقابيين والأفريقيين الأميركيين والطبقات الوسطى المدينية- صاغ كلينتون حلفاً جديداً بين رجال الأعمال وسكان الضواحي والحركات الاجتماعية الجديدة والأجيال الشابة... وهؤلاء مشبعون بإيمانهم التقدمي بالحداثة، ويعتنقون مُثُل التنوع العليا كلها ومُثُل الحركات النسوية والتعدد الثقافي.

وجمعت إدارة كلينتون بين تأييد الأفكار التقدمية وبين التقرب من وول ستريت. وقادها عزمها على إخضاع الاقتصاد الأميركي لمبادئ غولدمان ساكس (كبرى المجموعات المالية الأميركية) وموجباتها، تحرير النظام المصرفي من القواعد الناظمة، والمفاوضة على التبادل الحر. وأدى الأمران الى تعجيل انهيار النظام الصناعي، وإلى تسمية المنطقة العريضة التي كانت معقل الاشتراكية الديموقراطية الأميركية والعقد الجديد، وتعرف بـ «حزام المصانع»، باسم «حزام الصدأ». ومن هذه المنطقة خرج المجمع الانتخابي الذي حمل دونالد ترامب الى البيت الأبيض.

 

 

* أستاذ الفلسفة في جامعة نيويورك

* * المقتطفات أعلاه عن «النكوص الأكبر» الصادر في 13 لغة معاً، إعداد منال نحاس



This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة