|   

النسخة: الورقية - دولي

على مدى السنين الخمسين الماضية اتضح أن الاقتصادات التي تعتمد على المعرفة والقدرات العلمية والمهنية للبشر تكون أكثر قدرة على مواجهة المصاعب الاقتصادية التي قد تعصف بالاقتصاد العالمي مقارنة بالاقتصادات التي تعتمد على الموارد الطبيعية. هناك بلدان تمكنت منذ ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، من تطوير صناعات تحويلية مهمة جعلتها في مصاف الدول المتطورة والفاعلة في مضمار التجارة الدولية. واعتمدت بلدان مثل اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا وتايوان على صناعاتها التحويلية وعززت مواقعها في النظام الاقتصادي الدولي، وتمكنت البلدان من تحقيق فوائض كبيرة على مدى سنوات وعقود، في ميزاني التجارة والمدفوعات حققت لها أرصدة مالية كافية مكنتها من الاستثمار محلياً ودولياً.

وغني عن البيان أن مثل هذه الاقتصادات تعتمد إلى درجة كبيرة على البحث العلمي وتحديث أنظمة التعليم واستيعاب متغيرات التكنولوجيا، ويمثل الإنفاق على البحث والتطوير في هذه البلدان نسبة لا بأس بها من الناتج المحلي الإجمالي. ويُقدر الإنفاق على البحث والتطوير بنحو 475 بليون دولار سنوياً في الولايات المتحدة، و409 بلايين في الصين، و334 بليوناً في الاتحاد الأوروبي، و171 بليوناً في اليابان. ويمثل هذا الإنفاق لهذه البلدان ما بين اثنين و3.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وهناك بلدان أخرى مثل كوريا الجنوبية وإسرائيل ترصد أموالاً للبحث والتطوير تمثل 4.3 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي. أما البلدان العربية فلا تزال بعيدة من تخصيص أموال كافية للبحث والتطوير ولا تتجاوز هذه الأموال ما يعادل 0.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في أحسن الأحوال.

ومعلوم أن وجود جامعات مرموقة وتتمتع بمستويات أكاديمية معقولة بالإضافة إلى تعدد مراكز البحوث والدراسات يعزز الدراسات العلمية والتطويرات التقنية ويشجع عليها. ولذلك نجد أن البلدان الصناعية المتقدمة مثل الولايات المتحدة وعدد من بلدان الاتحاد الأوروبي وبلدان شرق آسيا التي اهتمت بالتعليم والبحث العلمي، ساهمت في تطوير صناعات تحويلية مهمة تعتمد على التقنيات العالية وفي الوقت ذاته حسنت القدرات المهنية لمواطنيها. في المقابل، تتراجع المستويات الأكاديمية للجامعات ومراكز التعليم العالي في العديد من البلدان العربية. كانت هناك جامعات مرموقة في بلدان مثل مصر والسودان والعراق وسورية لكن التدخلات السياسية وتدهور مستويات المناهج والهيئات التدريسية وشح الأموال وعدم ملاءمة معايير القبول للطلاب فيها جعل من تلك الجامعات متدنية في قوائم التقويم الأكاديمي المعلومة. ولا يزال عدد الجامعات العربية المصنفة من ضمن أفضل 500 جامعة في العالم محدوداً للغاية. يضاف إلى ذلك حتى مع وجود جامعات جيدة، تظل الأموال المخصصة للبحوث والتطوير متواضعة. كذلك فإن طبيعة الاقتصادات العربية واعتمادها على فلسفة الريع وهيمنة الدولة لا تحفز على الإنفاق في مجالات العلوم والتقنية الحديثة.

هل يمكن لبلدان الخليج بما تملك من أموال في إحداث نقلة في اقتصاداتها والتحول من اقتصادات تعتمد على الثروة النفطية إلى اقتصادات تعتمد على الثروة البشرية المتسلحة بالعلم والمعرفة؟ هناك محاولات جدية جرت وتجري في السعودية والإمارات والكويت حيث أُقيمَت مؤسسات تعنى بالعلوم والبحوث ومساعدة المخترعين وأصحاب المبادرات والمبدعين، لكن لا يزال أمام هذه المحاولات شوط طويل قبل تحقيق تطورات هيكلية في الحياة العلمية وبنية المعرفة ناهيك عن إحداث تطورات اقتصادية مهمة.

أمام بلدان الخليج تحديات مهمة خلال السنوات والعقود المقبلة إذ إن الاعتماد على إيرادات النفط أصبح غير مأمون، فالاقتصاد النفطي يظل مرهوناً بالمتغيرات في أسواق النفط والإنجازات في الصناعات النفطية وبدائل الطاقة. ويتخرج الآلاف من الجامعات والمعاهد العليا في منطقة الخليج من دون أن يحدثوا المتغيرات المعرفية الملائمة لتحديث الأنظمة الاقتصادية. كما أن الاعتماد على عمالة وافدة، هامشية في غالبيتها، يؤكد أن هذه الاقتصادات لا تزال بعيدة عن التحول إلى اقتصادات معرفة، لكن الإرادة السياسية كفيلة بإنجاز المتغيرات الضرورية في البنية الاقتصادية وتأمين الاهتمام اللازم لمعالجة أوضاع التعليم بما يخدم هذا التوجه.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة