|   

النسخة: الورقية - سعودي

 نحن نعيش في زمن الحروب وسفك الدماء وأطفال يتضورون جوعاً هنا وهناك، تؤلمهم معدتهم، يبحثون عن قطعة خبز ومياه نقية لتملأ تلك المعدة التي تصرخ من شدة الجوع. في حين نجد أن شعبنا يهدر من الغذاء ما تقدر قيمته بنحو ٥٠ بليون ريال سنوياً، بحسب إحصاء نشرته وزراة المياه والبيئة والزراعة، لكي تحد من هذا الإسراف الهائل في كميات الطعام.

وأخيراً كشف الأمين العام لجميعة «إطعام» الخيرية عبدالعزيز النغيثر أن السعوديين يهدرون من الطعام ما نسبته ٣٤ في المئة، أي ٢٥٠ كيلوغراماً للفرد سنويا! هذا النوع من الهدر يحتاج منا إلى إعادة التفكير في كيف أن نوقف هذا الاستهلاك الذي لا يحترم نعمة الله.
بحسب آخر إحصاء عالمي، قدر أن استهلاك كل فرد للطعام يبلغ نحو ٤٢٧ كليوغراماً سنوياً، وهذا يتطلب منا أن نكون أكثر وعياً وحكمة في كيفية الحفاظ على نعمة الله التي أنعمنا بها، ما يتطلب من كل مواطن أن يكافح هذا البطر وأن ينصح إخوانه المواطنين وأخواته المواطنات بأخذ النصحية بالتي هي أحسن.
افترض مثلاً بأنك يوماً لن تجد طعاماً يغذيك وأسرتك، وعلمت أن كل المواد الغذائية نفذت! ماذا ستفعل حينها؟ عندما تتم دعوتك إلى مناسبة من أحد الأصدقاء وترى طبق المندي الهائل يملأ طول مائدة الطعام، هنا يأتي دورنا في التثقيف بأهمية الادخار في الأموال والغذاء، إذ تضع الأسواق أسعاراً مناسبة للكيلو الواحد. ففي الدول الأوروبية يُطبق نظام بما يسمى بمصطلح العبوة الاقتصادية، فكلما اشتريت كميات أكبر تشتري بسعر أقل، وهذا يسهم في مقاومة الهدر! نحن - للأسف - مجتمع استهلاكي، نتباهى بكمية البذخ التي تبرز الفخامة، فمعظم الطعام يرمى في حاوية النفايات، وكأن الأكل الذي تم صنعه ذهب مجهوده «سدى»، وأن البقية بالنسبة لنا غير مبالين بمصيره!
برأيي، يجب أن تسن قوانين وعقوبات رادعة لكل أشكال «الهياط» والسلوكيات الخاطئة، هذا النوع من السلوك تنتشر له مقاطع فيديو وصور على مواقع التواصل الاجتماعي، الذي يرصد المواطن من خلاله بكاميراته تصرفاته المقززة التي تستفز الرأي العام الذي يرفض بشدة هذا الاستهتار الذي يبرز نوايا غير مبالية!
شاهدت ذات مرة خلال فيديو على «يوتيوب» حفلة عشاء في أحد المنازل، وقام صاحب الدعوة بطلب أطباق كبيرة من المندي تقدم لمجموعة من المدعوين، أصبت بالدهشة وتساءلت: كيف تستطيع معدتهم استعياب هذا الزخم الكبير من الأكل؟ فقلت لنفسي كان بإمكانه أن يطعم مساكين محرومين من تذوق الأكل الطازج الذي يتمنون أن يأتي فاعل خير ويطعمهم، ويزرع بذلك الفرحة والبسمة على وجوهم. الدين الإسلامي نهى عن الإسراف والتبذير.
 وأشار إلى ذلك في قوله تعالى: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين». هنا دلالة من الله عز وجل على التحذير من الهدر والإسراف الذي هو محرم عند الخالق العظيم.
الحياة فيها نعم كثيرة لا تعد ولاتحصى، فنحن لم نتعلم كيفية الحفاظ هذه النعمة، فبتنا مسرفين لا نكاد نمل من الإسراف والتبذير.
تنقصنا جميعات وحملات وندوات تثقفية وتوعوية في الحفاظ على الطعام، إضافة إلى محاربة جميع أنواع مظاهر الإسراف والهدر.
يجب على المختصين البحث عن جذر المشكلة واجتثاثها، وذلك بأن تقوم وزارة التعليم بالتنسيق مع الجمعيات الخيرية بإتاحة فرصة لمدربين مؤهلين ومجموعة من المتحدثين البارعين الذين يتمتعون بروح المسؤولية وبحكمة العقل ليزوروا المدارس والجامعات، بحيث يثقفون ويوجهون ويدربون الطلاب والمعلمين على الترشيد الغذائي، وإعداد برامج لأفلام قصيرة تصور الواقع السلبي للمجتمع، وتحذّر خلالها هؤلاء الطلاب من الوقوع في مغبة الإسراف، وتحثهم على التعامل مع الطعام، كونه نعمة مهمة وثروة لا يمكن الاستغناء عنها، وألا يقوموا بإهمالها، فهناك الكثيرون يتمنونها.


باحث في الشؤون الإعلامية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة