|   

النسخة: الورقية - سعودي

< منذ نهاية القرن الـ20 وبروز ثورة المعلوماتية والاتصال، عكست أحداث العالم ردود فعل عدة، لعب العنف فيها دوراً كبيراً، ولاسيما عنف الإرهاب المعولم، الذي بدا واضحاً معه أن ثمة عالماً جديداً يتشكل بفعل تمكن ثورة المعلوماتية والاتصال ومنظومات الإعلام الجديد من تسييل حوادث موازية للوقائع الأصلية في العالم المادي، وهي ردود فعل لم يكن متصوراً أن تتحرك على ذلك النحو لولا الاشتباك المعولم لتأثير تلك الثورة الاتصالية الجديدة وقدرتها على إحداث هزات مستمرة وسريعة بين أطراف العالم.

هكذا لعبت أحداث مفصلية عدة للعنف الإرهابي، مثل جرائم القاعدة، وعلى رأسها أحداث الـ11 من أيلول (سبتمبر)، وجرائم الدواعش، في تبدل شبه جذري لردود فعل دول العالم الأول، فما بين هوية عدمية للعنف، الذي مارسه «القاعدة» و«داعش»، وعالم حديث تعين عليه مواجهة ذلك العنف «العدمي» بحساسية واكتراث حقيقيين لحياة البشر، تبدلت اتجاهات المسار السياسي لكثير من أحزاب أوروبا، وعكست الهواجس المتصلة بالأمن مفكرتها على تيارات الأحزاب، فيما نشطت منظومات إعلامية وسياسية في الغرب لتقديم مزيج إعلامي شكل قاعدة لخطاب عام ومؤثر، رفع وتيرة الاستقطاب وأسس لمزاج شعبوي سمح بدخول اليمين المتطرف لمواجهة تحديات الهجرة والإرهاب في أوروبا.

ومع الطبيعة الآنية الجارية والمتجددة في وقائع البث المعولم للحوادث الإرهابية وما تقتضيه من ملاحقة السياسيين لها عبر مواقف ينسخ بعضها بعضاً، بدت السياسة في عرف قادة اليمين المتطرف في أوروبا كما لو أنها «ماراثون» من المواقف والتعليقات الشعبوية والحديّة على تلك الأحداث في أوروبا والعالم، عبر أداء «نجومي» لسياسيين شعبويين، كلما كان تبسيطهم للقضايا المعقدة ساذجاً ودرامياً بدا أكثر جاذبية وقدرة على ضخ الاستقطاب؛ ما أدى إلى صعود تيار يميني شعبوي متطرف استهلك الحرية من دون أي اكتراث بمعنى العيش وفق شروطها.

لقد أصبح التوجه اليميني في أوروبا، وأخيراً في الولايات المتحدة، ليس فقط اتجاهاً لحشد مزيد من الأتباع المحتملين، بل كذلك نموذجاً للمزايدة عليه من طرف أحزاب اليسار، بحسب آلان غريش، ما يعني أن جزءاً من هوية اليسار خضعت لتأثير ذلك الاستقطاب اليميني الشعبوي في الفضاء العام.

ومع أن فشل اليمين في هولندا في الوصول إلى السلطة، مثّل مؤشراً قوياً على وعي الناخب الأوروبي، الذي بات مدركاً أن اليمين الشعبوي يتغذى من خطاب سلبي ومجوف، إلا أن الضخ الإعلامي لتلميع بعض قيادات اليمين الأوربي المتطرف من ناحية، إلى جانب صعوبات الفرز المتحولة بتأثير ذلك الخطاب في تشويش ذهنية المواطن الأوروبي حيال المسلمين والعرب، معطوفاً عليها ظاهرة اللجوء إلى أوروبا؛ كل ذلك لا يزال يمثل رهاناً لألعاب اليمين وخطابه السياسي، ولاسيما في سياق التحول الكبير الذي برز مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض.

لقد ظل اليمين من قبل - في أوروبا - عقوداً طويلة هامشاً قصياً للتعبيرات الخجولة، نتيجة غياب حيثيات سوية تسند خطابه الانعزالي، من بعد الحرب العالمية الثانية إلى ما بعد نهاية الحرب الباردة تقريباً؛ فيما كانت نتائجه الأكثر خجلاً في نسب الانتخابات تعكس باستمرار نسقية ذلك الهامش ومحدوديته القصوى. لا يبحث اليمين بطبيعة الحال عن حلول للمشكلات السياسية أو الاقتصادية المتصلة بكثير من تعقيدات أكبر من قدرته على رؤية مصائرها وصيروراتها؛ فخطابه الشعبوي المحدود هو خطاب شعارات لا خطاب برامج، وليس بعيداً أن تكون النتائج المحتملة لليمين المتطرف، فيما إذا وصل إلى السلطة، مزيداً من التقويض لقواعد اللعبة الديموقراطية وتعويم معادلة مضللة للأمن في مقابل الاستقرار، وتمتين خطاب معزز لوتيرة الكراهية والانكفاء في أوروبا الغربية التي طالما كان الانفتاح في هويتها الليبرالية أحد أهم حيثيات مسارها الحديث.

وفيما لا يبدو لخطاب اليسار اليوم، في أوروبا والعالم، تلك الجاذبية التي كانت له في القرن الماضي؛ فإن مأزق اليسار اليوم لا يتصل بقدرته على التعبير عن قيم العدالة والاشتراكية والديموقراطية، بل بعجزه عن تعزيز أفق إنساني للقيم وصناعة ضمير عالمي متضامن وضاغط باتجاه نشر قيم الحرية والعدالة الإنسانية، بوصفها قيماً سياسية قابلة للإيمان المطلق بألّا مساومة عليها، من خلال تعبيرات عمل حزبي وسياسي إعلامي ذي حضور في الفضاء العام والمحافل الدولية.

ذلك أن النسق المحكم، الذي عززته منظومات العولمة المتوحشة، وسياسات رأس المال الجشع، والشركات العابرة للقارات، مثّل انعكاساً حزيناً على اليقين بقدرة الدولة الحديثة في تدبير سياسات دولية اقتصادية عادلة. والحال هذه، فإن وعود اليمين المتطرف وخطابه الشعبوي في أوروبا لن يكون سوى تنويع على معزوفة سمجة!

 

 

* باحث في الشؤون الدولية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة