|   

النسخة: الورقية - دولي

يصعب اليوم التنبؤ بما يمكن أن تنتهي إليه الأزمة في شبه الجزيرة الكورية. وإن نظرنا إلى هذه الأزمة باعتبارها مرحلة متقدمة من علاقة معقدة بين الولايات المتحدة والصين، فقد نفاجأ بأن قدراً من الغموض المحيط بمآلاتها يتبدد، لاعتبارات عدة. أولها، أن الصفات والميول الشخصية لرئيس الولايات المتحدة، في كل العهود، على أهميتها، محكومة بضوابط ومؤثرات مؤسسية بالغة القوة.

وثانياً، من الضروري أن نميز بين الحداثة، التي ظلت، في نصف القرن الأخير من عهدها (1945-1991)، في «نصف القرن الطويل»، بتعبير مايكل كانينغ (عالم المعرفة، 2013)، خاضعة لثنائية قطبية مخيفة، اعتمدت مبدأ الصدام الحتمي بين التناقضات، وهو أشبه شيء بفريضة دينية، كرسها نبي زائف يدعى فريدريك هيغل، وبين ما بعد الحداثة التي تعود بنا، إلى روح السلام الويستفالي، الذي قام، بالأساس، على أنقاض البابوية وهيمنة الكاثوليكية على أوروبا.

بدأ الزمن الحداثي، في ما يقال، مع ظهور ديوان شارل بودلير «أزهار الشر» ورواية غوستاف فلوبير «مدام بوفاري» في 1857. وربما كانت نهايته في 1979، عندما سافر موظفو مؤسسة «ييل في الصين» إلى الصين، لاستطلاع إمكانات استئناف نشاطها، بعد أن جمدته السلطات الشيوعية، لأكثر من ثلاثة عقود. صحيح أن زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون للصين في 1972 هي بداية انفراج كبير بين العملاقين الأميركي والصيني، لكن عودة «ييل في الصين» إلى الصين قد تكون العلامة التي لا تخطئ على ذوبان للجليد الأيديولوجي بين واشنطن وبكين، مهَّد لظهور العولمة كما نعيشها اليوم.

كنت، باعتباري مترجماً عسكرياً، أقف مع جماعة من الضباط السوفيات، في قاعدة عسكرية في مصر الوسطى، يوم ذهب نيكسون لزيارة الصين. ملامح الغيرة التي ظهرت واضحة على وجوه الضباط السوفيات، الذين أربكتهم أخبار الزيارة، أحدثت شرخاً في الجدار الذي كان يقسم العالم في وعييَ إلى كتلتين. وساعتها نبتت في ذلك الشرخ فكرة، نمت مع الأيام لتصبح شجرة أقتات على ثمارها (الطيبة؟ الخبيثة؟) مؤداها: أن نواميس النظام الدولي الراهن تقضي– منذ 1919 وحتى الآن، على الأقل- بأن ما من قوة على ظهر الكوكب، إلا وترقب، في قلق بالغ، لحظة تناغمها مع التجربة الأميركية، وتحسد كل من يسبقها إليه، بغض النظر عن عمق وحِدّة التناقضات بين تلك القوة وبين الولايات المتحدة.

لكن الثقافة الصينية، وفي قلبها التاوية والكونفوشية، وإن لم تكن سلمية بطبيعتها، قادرة على تحقيق التناغم بين الأضداد وإحلال التكامليات محل التنافسات. ولهذا السبب، كان من الطبيعي أن يجد التعاون الصيني– الأميركي، منذ السبعينات، بيئة حاضنة غيَّرت الاقتصادين الأميركي والصيني، وحوَّلت رطانات الثورية الماركسية– اللينينية، أو ما تبقى منها، إلى شيء شبيه بالتصورات الشعبية عن العُصْعُص، باعتباره بقايا ذيل كان للإنسان، في مرحلة سابقة من تطوره.

فهل ساعد التناغم الذي حرصت عليه الصين في علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة، بكل ما ترتب عليه في فضاءات تتجاوز التجارة إلى غيرها، على وضع نهاية للتدخلية الأميركية؟ وفق تقرير لـ «رويترز» 18 نيسان (أبريل)، حول محادثات نائب الرئيس الأميركي مايك بنس مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، اتفق الاثنان على «الحاجة إلى إقناع الصين بلعب دور أكبر في التعامل مع كوريا الشمالية»، بهدف «إنجاز حل سلمي وإخلاء شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووي».

وهكذا فالنهاية السعيدة (الحل السلمي وانحسار الرعب النووي) ممكنة. ولكن قد يفضي هذا إلى نهاية أخرى، يشير إليها هيغليان (وماركسيان!) هما أندريه غوندر فرانك وباري جيلز اللذان يرفضان القول بنظام دولي واحد مركزه، منذ القرن السادس عشر، هو أوروبا الرأسمالية. ويروجان لما يدعوانه «التاريخ المتصل لنظام دولي واحد في أفرو – آسيا، لا يقل عمره عن خمسة آلاف سنة»، تمثل الصين مركزه. وقبل الغرق في مناقشة طروحات فرانك وجيلز، لا بد من التذكير بما أشارت إليه كثرة من المراقبين من أن الولايات المتحدة تسير على حبل مشدود، فوق هوة نووية سوداء، في سورية وفي الصين، أو بالأحرى في المرحلة الراهنة من معالجتها للخطرين النوويين الروسي هنا والصيني هناك. وأن خطوة واحدة غير محسوبة قد تفضي بالولايات المتحدة، وبالعالم من ورائها، إلى السقوط في الهوة السوداء. إذاً، النهاية السعيدة ليست مستبعدة. وقد تكون قريبة. ولكن بيننا وبينها هوة نووية سوداء.

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة