|   

النسخة: الورقية - سعودي

< يكاد يمضي عام على صدور الرؤية السعودية 2030، وما زالت الأسئلة التي طرحت حول الرؤية عند صدورها تتردد، ولا تجد إجابات شافية من جمهور السائلين، على رغم وجود مركز إعلامي مختص يفترض به أن يجيب عن تلك الأسئلة.

ومع مرور الوقت وصدور المزيد من القرارات تتزايد الأسئلة وتتزايد معها الشكوك حول الرؤية وإمكان نجاحها، وعقدت ندوة على هامش معرض الكتاب في شهر آذار (مارس) الماضي بعنوان: «الرؤية والمواطن» شارك فيها نخبة من المثقفين والمهتمين، وكانت معظم الأسئلة تدور حول الرؤية والتشكيك في إمكان نجاحها. ولأن الرؤية ليست خياراً بل ضرورة، وليست ترفاً بل حاجة ملحة، أود هنا أن أتطرق إلى مفهوم الرؤية، باعتباره عنصراً مهماً في التخطيط الاستراتيجي، ولكن قبل ذلك لا بد من أن نحدد أين نحن وأين نقف، وهو أمر يستدعي الرجوع إلى البدايات، لأن الوقت الحاضر ليس سوى التراكم التاريخي لأحداثه الماضية.

فالمملكة - كما يعرف الجميع - دولة تعتمد اعتماداً كلياً على النفط مصدراً وحيداً للدخل، وعندما ارتفعت أسعاره في 1973 أو ما سمي اصطلاحاً بالطفرة، أدركت المملكة أن أمامها فرصة تاريخية لتنويع مصادر الدخل، وعدم الاعتماد على مصدر وحيد للإيرادات. لذا، اتخذت الدولة في ذلك الوقت مجموعة من القرارات لتحقيق ذلك الهدف، وكان أول هذه القرارات سعودة المصارف الأجنبية. إذ طرحت الدولة في حينه حصة تزيد على 50 في المئة من رؤوس أموال المصارف الأجنبية للاكتتاب العام، وتم حصر الاكتتاب على المواطنين السعوديين. أما القرار الثاني فكان بناء الدولة مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين، وإنشاء الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) من خلال صندوق الاستثمارات العامة وطرح جزء من رأسمالها للمواطنين. ولأن المملكة تؤمن بالاقتصاد الحر والمبادرة الفردية كان القرار الثالث هو إنشاء مجموعة من الصناديق المختصة، مثل صندوق التنمية الصناعي والزراعي والعقاري وبنك التسليف لدعم رجال الأعمال، بافتراض أن القطاع الخاص الوطني سيتحمل مستقبلاً وبعد أن يشب عن الطوق عبء التنمية، ويعمل على توفير قنوات أخرى للدخل غير النفط، بما يجنب الاقتصاد المحلي التقلبات الاقتصادية العالمية، وما ينتج منها من تذبذب في أسعار النفط.

والآن، وبعد أن مضى أكثر من 40 عاماً على الطفرة نستطيع أن نقيم آثار تلك القرارات ومدى ما حققته من نجاح، فنجد أن المملكة استطاعت - من خلال «سعودة» المصارف بإشراف مؤسسة النقد العربي السعودي - بناء منظومة مصرفية مميزة تواكب أرقى مستويات التقنية العالمية، وهذه المصارف عملت على استيعاب الفوائض المصرفية الناتجة من النفط وتوظيفها في خدمة الاقتصاد الوطني، كما أسهمت هذه المنظومة في بناء السوق المالية عند إنشائها، من خلال توظيف إمكاناتها التقنية، والقيام بأعمال الوساطة عبر النظام الإلكتروني، كما أسهمت بتعميق سوق التأمين وإنشاء مجموعة من شركات التأمين التكافلية، والأهم من ذلك كله هو تأهيل أجيال كاملة من المصرفيين السعوديين الذين تسنموا أعلى الوظائف القيادية في القطاع المصرفي والقطاع الخاص عموماً.

أما في ما يتعلق بشركة «سابك» فقد أرست قاعدة صلبة من خلال مجموعة متنوعة من الشركات، وحصلت خلال 40 عاماً من العمل الجاد والدؤوب على نصيب وافر من سوق البتروكيماويات العالمي، وانتشرت فروعها في أسواق العالم شرقاً وغرباً، وعادت بالخير العميم على مساهميها، سواء أكان ذلك للدولة أم المواطنين، ناهيك عن توفيرها لعشرات الآلاف من الفرص الوظيفية والتدربية لأبناء الوطن.

أما الجزء الثالث من القرارات والمتعلق بأعداد القطاع الخاص ليتحمل مسؤولية التنمية وتنويع مصادر الدخل فلم يحقق في ما أعتقد نجاحاً يذكر، وإن كان هناك بعض الاستثناءات في القطاع الصناعي، وظلت الخطط الخمسية للدولة تكرر باستمرار أهدافها في تنويع مصادر الدخل على مدى 40 عاماً، إلا أن ذلك لم يتحقق، لأن أداتها في ذلك كانت رجال الأعمال والقطاع الخاص الذي أصبح مع مضي السنين عبئاً على اقتصاد الدولة بدل أن يكون رافداً لها، خصوصاً في الأوقات الصعبة والتي تتراجع فيها أسعار النفط إلى مستويات متدنية، ولعلّي أورد هنا بعض المؤشرات التي توضح دور هذا القطاع في الاقتصاد الوطني:

1- بلغت واردات المملكة من السلع والخدمات في 2015 نحو 650 بليون ريال، أو ما يزيد على 150 بليون دولار وبما يعادل 60 في المئة من إيرادات المملكة، ولم يستطع القطاع الخاص طوال الفترة الماضية بناء صناعات حقيقية تخدم الاقتصاد الوطني وتغنينا عن الاستيراد، كما فعلت شركات «سابك» على سبيل المثال.

2- بلغ عدد العمال الوافدين في المملكة على كفالة القطاع الخاص نحو 9 ملايين، وهو ما يوازي عدد سكان دولة بحجم تونس، وبلغت تحويلاتهم السنوية 130 بليون ريال، وأرهق هذا الكم من عدد العمال البنية التحتية للخدمات، واستفاد هؤلاء العمال من دون وجه حق مما تقدمه الدولة من دعم وإعانات للطاقة والمياه والسلع والخدمات الأساسية للمواطنين، علماً بأن هذا العدد الهائل من العمالة الوافدة لم يضفِ شيئاً ذا بال إلى الناتج الإجمالي المحلي.

3- ظلت الدولة أو المؤسسات التابعة لها هي الموظف الرئيس للقوى العاملة الوطنية، ولم يسهم القطاع الخاص ماعدا القطاع المصرفي وبعض الشركات الصناعية في توظيف العمالة الوطنية، ما أرهق موازنة الدولة وساعد على تفشي البطالة بين المواطنين، الأمر الذي اضطر الكثير منهم إلى اللجوء إلى استقدام العمالة الوافدة وتشغيلها، وسيلة للرزق، وذلك لعدم قدرته على منافسة العامل الوافد.

4- ساعد القطاع الخاص في نشر الفساد الإداري والمالي، سواء من خلال التنسيق في ما بين أفراده عند تقديم المناقصات أم الاحتكار، ما انعكس على جودة وكفاءة المشاريع المنفذة من هذا القطاع، سواء أكان ذلك في البناء أم التشغيل والصيانة.

5- اتجه القطاع الخاص إلى توظيف رؤوس الأموال التي تراكمت لديه في مضاربات عقيمة في قطاعي العقار والأسهم، هذه المضاربات التي استنزفت مدخرات المواطنين ولم تضفِ شيئاً إلى الاقتصاد الوطني سوى رفع أسعار العقار إلى مستويات غير مقبولة.

وإذا كان لنا أن نلخص ما سبق فيمكننا القول: إن المشاريع التي تبنتها الدولة مثل «سابك» و«سعودة» المصارف حققت أهدافها بشكل عام، باعتبارها دعامة من دعائم الاقتصاد الوطني، أما تلك التي اعتمدت فيها الدولة على القطاع الخاص أو مبادرات رجال الأعمال فإنها لم تحقق المأمول منها، بل لا نبالغ إذا ما قلنا أنها أصبحت عبئاً على الاقتصاد الوطني. لذا، كان لا بد من التوقف والمراجعة وإعادة صياغة الاستراتيجية، وهذا بالضبط ما قدمته الرؤية.

إن رؤية 2030 هي خطة بديلة واستراتيجية جديدة تم تبنيها بعد أن أدركنا أن الطريق الذي كنا نسير فيه طوال 40 عاماً لم يقدنا إلى أهدافنا في تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد وطني متين، والحقيقة أن كلمة «الرؤية» تتجاوز المدلول اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي، فهي مصطلح يندرج تحت الفكر الإداري والتخطيط الاستراتيجي تحديداً، وليس الاقتصادي كما يعتقد البعض، وهذا المصطلح نجده في أكثر المؤسسات والمنظمات التي نتعامل معها، فلا نكاد نزور مستشفى أو مدرسة أو جامعة إلا ونجد أنها حددت رؤيتها مصحوبة بمصطلحات أخرى، مثل الرسالة والهدف، والرؤية تعني الحال أو الشكل الذي ترغب في أن تصبح عليه المنظمة، أو إن شئت هو الغاية أو الحلم الذي تصبو إلى بلوغه أو أن تكونه، والرؤية ليست معلقة في الفراغ، بل هي جزء من منظومة أشمل، هي الخطة الاستراتيجية التي تأخذ في اعتبارها كل عوامل القوة والضعف والفرص والتحديات الموجودة في البيئة الداخلية والخارجية للمنظمة، ومن دون التخطيط الاستراتيجي قد تنهار المنظمات، لعدم قدرتها على التكيف مع العوامل المتغيرة في البيئة، مهما كانت قوة تلك المنظمات والازدهار الذي تعيشه. فصناعة السيارات الأميركية - على سبيل المثال - فقدت أسواقها لمصلحة السيارات اليابانية بعد ارتفاع أسعار النفط واتجاه المستهلك إلى السيارات الأقل استهلاكاً للوقود، وعجزت شركات السيارات الأميركية عن تعديل خطوط إنتاجها والتأقلم مع الواقع الجديد والعودة إلى سابق عهدها، وهي ما زالت تناضل في سبيل ذلك منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهناك شركة «نوكيا» التي كانت تهيمن على أسواق الهاتف المحمول وفقدت أسواقها لمصلحة شركات أخرى، مثل «آيفون» نتيجة التغيرات التي حدثت في بيئة الاتصالات، وعجز تلك الشركة عن التكيف معها، والدولة في نهاية المطاف هي منظمة تواجه ما تواجهه المنظمات بشكل عام، وإن لم تتكيف مع متغيرات البيئة الداخلية والخارجية قد تواجه شبح الانهيار الاقتصادي. لذا، كان لا بد من التخطيط الاستراتيجي الذي يحمي بلدنا ويجعلها تتبوأ المكانة التي تستحق. والمملكة تملك الكثير من عوامل القوة، مثل عمقها العربي والإسلامي وموقعها الجغرافي وثروتها النفطية والتعدينية، إضافة إلى أن معظم سكانها في سن الشباب، ولكن في الوقت نفسه لديها الكثير من التحديات، مثل اعتمادها على النفط الذي يتعرض لتقلبات حادة في أسعاره، وهناك نحو 10 ملايين عامل أجنبي يعملون على أراضيها، ويستنزفون مقدراتها ويحرمون شبابها من فرص العمل في منافسة غير عادلة، يضاف إلى ذلك أن المملكة ما زالت تلجأ إلى الاستيراد لسد معظم حاجاتها الاستهلاكية.

هذا وصاغت المملكة رؤيتها 2030 على ضوء الفرص المتاحة وعوامل القوه لديها، إذ من المؤمل - وفقاً للرؤية - أن تصبح المملكة محوراً للربط بين قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، وأن ترسخ المملكة - التي هي بلاد الحرمين وموطن العرب الأول - انتماءها إلى العالم العربي والإسلامي، باعتباره عمقها الاستراتيجي، وأخيراً أن تكون قوة استثمارية رائدة مستفيدة من مواردها المتعددة.

إذاً، هذه هي رؤية المملكة أو تصورها لنفسها في العام 2030. وتحقيق هذه الرؤية يتطلب الكثير من الصبر والعمل الدؤوب والجهد المخلص، أما في ما يتعلق بالأسئلة والانتقادات التي تم توجيهها للرؤية فهي في بعضها جزء من مقاومة التغيير ومن القطاع الذي كان مستفيداً من الأوضاع السابقة للرؤية، أما البعض الآخر من الأسئلة والانتقادات فهو صادر عن المثقفين والمختصين ومن المواطنين الذين تأثروا بالرؤية، وانتقاداتهم وأسئلتهم بلا شك أسئلة مشروعة وصادقة في توجهاتها، ولعلّي أتطرق لمناقشتها في مناسبة أخرى.

 

 

* أكاديمي اقتصادي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة