|   

النسخة: الورقية - دولي

تكاد نظرية المؤامرة تصبح نموذجاً تفسيرياً للعالم المحيط بنا، لدى التيارات الأكثر راديكالية في الثقافة العربية، سواء القومي المتآكل بشقيه الأساسيين الناصري والبعثي، أو الوطني الزاعق المتصاعد في غير بلد عربي على رأسها مصر، بالذات بعد 30 حزيران (يونيو) والموقف الغربي منها، أو الإسلامي - السلفي الحاضن الأبدي لهاجس التآمر الصليبي على الإسلام.

يبدي التياران الأولان خطاباً مناوئاً للغرب ولكن من أفق سياسي، حركي، دعائي، يتشكل في أقنية التعامل الواقعي واليومي، لكنه غير قادر على تأطير موقف نظري من أفق حضاري شامل، على نحو ما يتوافر لدى التيار الثالث، والمؤسس الحقيقي لعقل الإسلام السياسي، القادر على حفز جماهير واسعة تنتمي إليه وتدين له، تبني فهمها للعالم على قاعدة رؤية ثقافية مضادة للحداثة نظرياً وإن تعاملت مع وسائلها نفعياً.

ينبني هذا الشعور بانغلاق الهوية، على مسلّمة أساسية لدى هذا التيار نراها متعسفة واختزالية، وهي أن نقاء العقيدة الدينية إنما يقتضي أو يفترض نقاء الهوية الحضارية، على نحو يقود إلى اعتبار كل تفاعل ثقافي أو تداخل حضاري بين الحضارة العربية وغيرها من الحضارات بمثابة تشويه للإسلام، وانتقاص من خيرية المسلمين واستلاب لهم أمام الآخرين، أصحاب الديانات، وليس الحضارات الأخرى. هذه المسلمة تتأسس على مقدمة خاصة بها، وتقود في الوقت ذاته إلى نتيجتين متصاعدتين ومتراكبتين:

أما المقدمة فهي عدم الثقة في الإنسان، أو في العقل الإنساني وقدرته على صنع تاريخه، ومن ثم ضرورة الارتهان الكامل للنص الديني (النقل والوحي)، حيث التوجيه الإلهي الكامل لحركة التاريخ والقصور شبه الكامل للعقل الإنساني. هذه الرؤية تقود إلى اختزال الحضارة في الدين وحده، فهي تقوم عليه بمقدار ما يقع هو في المركز منها. فالحضارة الآسيوية مثلاً هي الهندوسية والبوذية والكونفوشية. أما الحضارة الغربية فهي المسيحية فقط، ولا معنى جوهرياً هنا لعصور النهضة والتنوير والصناعة والحداثة، والتي مثلت نوعاً ما من القطيعة التاريخية في مسيرة الغرب الأوروبي مع الروح التقليدية وفي قلبها الدين المسيحي الأرثوذكسي، ومن ثم فلا اكتراث مثلاً بالنقد الرفيع للكتاب المقدس، ولا للمناهج التاريخية في قراءة العهدين القديم والجديد، ولا قيمة لعمل الفلاسفة الكبار وجهدهم، خصوصا ليبنتز وسبينوزا وكانط، ولا حتى للفلاسفة اللاهوتيين الكبار أمثال كارل بارت وباول تيلش وجاك ماريتان ونيقولا برديائيف. فعلى رغم كل ما حصل عبر القرون الخمسة الماضية يبقى الغرب هو المسيحية، وأوروبا هي الصليب. ومن ثم فإنجاز كل حضارة إنسانية يبقى، حتى الآن، نتاجاً للدين، ما يعني أنه إنجاز لصيق بها بدرجة التصاق المؤمن بدينه. وهنا تصير الحضارة، كالدين، مسألة تقع في صميم الخصوصية الإنسانية - الثقافية، وليست إرثاً عاماً للبشرية، أو تراثاً مشتركا للإنسانية برمتها، أخذاً وعطاء.

النتيجة الأولى التي تترتب على تلك المقدمة، هي ضرورة الانفصال الكامل عن تيار الحضارة الإنسانية حفاظاً على نقاء الهوية (الإسلامية)، وما يفرضه ذلك من تصور سلفي للتاريخ يعتقد بأن عودة الجماعة المسلمة إلى أصالة الماضي كفيل وحده، أو في شكل رئيسي، بإقالة الأمة من عثرتها من دون حاجة إلى النقل عن الآخرين أو الاقتباس منهم. فكل معرفة، وكل فضيلة موجودة في نصوص الإسلام لا ينال منها الزمان، الأمر الذي يرتب كثيراً من الإشكاليات سواء على صعيد رؤية المجتمعات العربية لنفسها أو لغيرها من الحضارات، وأهمها الانشغال العبثي بقضية الهوية بديلاً من الانفتاح على العالم، والنزعة العدوانية إزاء الغير بديلاً من التعاطي الإيجابي معه، والرغبة في التعلم منه. بل يصل الأمر أحياناً إلى تحويل الفهم الخاص للدين (التدين) إلى «إطار ثقافي» مغلق على ذاته داخل الحضارة عينها وليس فقط إلى «إطار حضاري» في مواجهة الحضارات الأخرى، فلا يمتنع لدى التيار السلفي، مثلاً، مجرد التأثير والتأثر والحوار والتداخل مع الآخر الخارجي - الغربي حرصاً على نقاء الدين، بل يمتنع كذلك التداخل والتفاعل مع الآخر الفكري والسياسي من بين التيارات الأخرى التي تزخر بها مجتمعاتنا العربية الإسلامية حرصاً على نقاء «المذهب»، أو حتى نقاء «التدين» الذي هو مجرد فهم للدين، حيث يكون الليبراليون غريبي الأطوار، والعلمانيون زنادقة وربما ملحدين، أما اليساريون فملاحدة ماديون على وجه اليقين، ناهيك طبعاً بالشيعة الذين هم على الأقل منافقون وفي الأكثر خارجون على الملة.

أما النتيجة الثانية، الأخطر، فليست إلا تتمة منطقية للأولى، وتتمثل في هيمنة عقدة المؤامرة، فطالما كان الآخر غريباً عن الذات بالضرورة، يتوجب التمايز الأبدي عنه، فإن كل محاولاته للتداخل مع الذات أو التأثير فيها لا بد أن تكون عملاً معادياً، يهدف إلى إيذاء الذات والنيل منها. وهنا تسقط أو تذبل كل المفاهيم الوسيطة التي تؤطر رؤية العالم وضمنها مفهوما التنافس والصراع على الصعيدين السياسي والاستراتيجي، أو التعاون على المستويين الإقليمي والعالمي، ولا يبقى غير عقدة المؤامرة لتفسير كل ما يحصل حولنا. وإذ لا يسعى إلى التأثير ولا يقدر عليه سوى الأقوياء القابعين في قلب مراكز التأثير والنفوذ العالمي، يصبح العالم الغربي المسيحي الذي احتل موقعاً مركزياً في الجغرافيا السياسية والحضارية للعالم الحديث، هو المتآمر الأبدي والكائن الشيطاني الذي عادى بإطلاق للعالم العربي الإسلامي، حتى احتل منه الموقع ذاته الذي يحتله إبليس من الإنسان في عقيدة الخلق التوحيدية، حيث يغيب التفكير السببي وتسود رؤية سحرية للعالم، تكاد تشبه تصور الأطفال الصغار عن الجان والعفاريت، تلك الكائنات الشيطانية التي لا هم لها سوى إفساد حياتهم، والنيل منهم، والعدوان عليهم، خصوصاً في عتمة الليل الحالك التي لا تعدو كونها معادلاً لعتمة الجهل لدى ذلك المكون - التيار الخرافي في الوعي السياسي العربي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة