|   

النسخة: الورقية - دولي

أبرز مسألة سياسية في موسكو هذا الربيع هي مشروع السلطات الرامي الى تدمير آلاف المباني القديمة المؤلفة من خمس طبقات والتي يعود بناؤها الى قبل 50 عاماً. ومساكن خروتشيفكا (المساكن الخروتشوفية) - وهي شيدت بناء على توصية الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف- متهالكة وكئيبة.

وكان عمدة موسكو، سيرغي سوبيانين، على يقين من أن سكان موسكو سيُقدمون على اقتراحه ويرحبون به. وكان لسان حاله ليس من لا يرغب في الانتقال من شقة متداعية الى شقة حديثة على نفقة البلدية. وبدأ العمدة بتنفيذ المشروع، ودعم مشروعه الرئيس الروسي، فلادمير بوتين. والعملية هذه تجري قبل عام من الانتخابات الرئاسية في روسيا والبلدية في موسكو.

ولكن السلطات تفاجأت ووقعت عليها وقع الصدمة مقاومة السكان المشروع التدميري. ففي كل مبنى، يقيم أناس يحملون مشاعر وذكريات ويشعرون بحس الملكية والانتماء، وهذا ما أهملته سلطات موسكو حين تجاهلت رأي هؤلاء، فتعاظمت معارضة مشروع هدم مواقع المدينة التاريخية ومتنزهاتها، وتشييد مبان جديدة محلها في قلب الأحياء والمشاعات، ونحت المعارضة هذه منحى التشدد. وهذه النزاعات ساهمت في تنظيم عدد ضخم من سكان موسكو أنفسهم على المستوى المحلي، وساهمت كذلك في غلبة الطابع السياسي على حركة الاحتجاج هذه. ومشروع تدمير شقق المباني القديمة يمس واحد من كل عشرة من سكان موسكو. وكان المشروع وراء اندلاع أزمة سياسية. لذا، دعا بوتين سلطات موسكو الى احترام حقوق المواطنين أثناء الهدم. والتزمت السلطات هذه، إثر حركة احتجاجات، تقديم تنازلات.

والسلطات لم تسأل نفسها عما وراء استساغة كثر البقاء في شققهم القديمة والضيقة. وقرار طرد الناس من شققها يدور تاريخياً على حقوق الملكية الخاصة في بلد لطالما كان فهمه المفهوم هذا ملتبساً. فالسلطات السوفياتية لم تحمِ الملكية الخاصة- ورأت أن المفهوم هذا (الملكية الخاصة) معيب ويتعارض مع القيم الشيوعية. وقطع خروتشوف مع هذا الإرث السوفياتي: فأخرج الناس من الشقق المشتركة الموروثة من العهد الستاليني- وفيها ألزموا بالتشارك في السكن مع عدد كبير من الناس - ومنحهم حيزاً خاصاً وشخصياً. ووراء الأبواب المغلقة، صار في إمكان الناس الانقلاب الى أفراد خاصين يحق لهم فعل ما يشاؤون. وحس التملك أو الحيازة انتقل من جيل الى آخر. وفي هذه الشقق المبنية على عجل ولدت الطبقة الوسطى الروسية، ومنها انبثقت البورجوازية الروسية.

وفي السبعينات المزدهرة، حين كانت اسعار النفط مرتفعة، سبقت لازمة «الشقة- السيارة- المنزل الريفي» شعارات الماركسية – اللينية في العقل السوفياتي المتوسط. وكانت مساكن خروتشيفكا وراء ثورة بورجوازية سوفياتية الطابع. وفي «رأسمالية» روسيا الحديثة، مفهوم الملكية غامض. وكثر من الروس يحسبون أن الأرض والموارد هي ملكية جماعية سرقها، على الأرجح، نافذون في قطاع الأعمال، على رغم أن جاذبية لازمة «الشقة- السيارة – المنزل الريفي- لم تخبُ. وانتهكت سلطات موسكو الحيز الشخصي للروس حين باشرت مشروع التدمير الشامل. وهذه الامتار المربعة القليلة الممتدة في غرف متلاصقة ضيقة، وملحق بها دور مياه مجهرية المساحة، ومطابخ بالغة الصغر لا يسع المرء الاستدارة فيها- وتطل هذه الشقق على بضعة اشجار- هي كل ما يمكله هؤلاء الاشخاص. واليوم، تشارف قوة عدائية على اجتياح هذه الملكية ومصادرتها. والى هذا الشعور بالتهديد والعدوان، ليست السلطات، وخصوصاً سلطات موسكو، موضع ثقة سكان العاصمة الروسية. وهم على يقين أن السلطات ستخدعهم، وأن الشقق الجديدة لن تكون أفضل بل أسوأ من السابقة، وأنهم سيخسرون في أي اتفاق معها (السلطات).

والروس مستعدون لمساندة حكامهم على المستوى الرمزي: (ضم شبه جزيرة) القرم و «عظمة الدولة الروسية»، وذكرى الحرب العالمية الثانية. ولكنهم لن يغامروا بمصالحهم الراسخة مقابل وعود السلطات الكلامية. وتعد موسكو 13 مليون نسمة، وهي أكثر المدن الروسية تقدماً. وعلى رغم أن سكانها ليسوا متجانسين ولا مترابطين، بدأ هؤلاء يرصون الصفوف إثر اقتحام السلطات حيزهم الخاص، ولم يعودوا يؤيدون النظام السياسي. وربما تلد حركة حقوق الملكية الخاصة شعوراً بالاعتداد المدني والاعتزاز.

 

 

*معلق، عن «موسكو تايمز» الروسية، 5/5/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة