|   

النسخة: الورقية - دولي

حين جلا البريطانيون، في آب (اغسطس) 1947 عن الهند، في أعقاب 300 عام من «وجودهم» هناك، انقسمت شبه القارة الى دولتين- أمتين مستقلتين: الهند، غالبية سكانها من الهندوس، وباكستان وغالبية من المسلمين. وكان ذلك بداية إحدى أعرض الهجرات السكانية في تاريخ البشرية: ملايين من المسلمين يمموا نحو باكستان الغربية وباكستان الشرقية (بنغلادش، اليوم)، وملايين من الهندوس والسيخ سلكوا الاتجاه المعاكس واتجهوا الى الهند. ومئات الآلاف من الفريقين لم يبلغوا مقصدهم. فالجماعات التي أقامت الواحدة بجوار الأخرى نحو ألف عام دب الاقتتال بينها، وانفجر عنفاً دينياً مدمراً في البنجاب والبنغال المحاذيتين لباكستان الغربية والشرقية على صورة مجازر وحرائق وقسر على اعتناق الإيمان وأعمال خطف جماهيرية... واغتصبت 75 ألف امرأة شوه بعضهن ومُثل ببعض آخر. وأحرقت عصابات من القتلة قرى بأكلمها وثنت بارتكاب المذابح في حق الرجال والأولاد والمسنين، وخطفت النساء، واغتصبتهن، على ما يكتب الصحافي نيسيد هاجاري في كتابه «أبالسة منتصف الليل» ميراث تقسيم الهند الدامي». «ويقول الجنود البريطانيون والصحافيون الذين شاهدوا معسكرات الموت النازية إن الاعتداءات التي ارتكبت في أثناء التقسيم أشد فظاعة مما شاهدوه»، يكتب هاجاري.

وفي 1948، غداة هجرة السكان الكبيرة، بلغ عدد المهجرين المقتلعين من منازلهم وأرضهم 15 مليون شخص، وقتل حوالى مليون الى مليونين. فالتقسيم، على هذا، عامل أساس في بلورة هوية شبه القارة الهندية المعاصرة، وركن راسخ من أركان ذاكرة العنف التي ولدت هذه الهوية منها. وترى عايشة جلال، المؤرخة الباكستانية المعروفة، أن هذا الجرح هو الحادثة التاريخية المركزية في تاريخ جنوب آسيا المعاصر: «فالتقسيم واقعة حاسمة، ولكنه لم يكن بداية ولا كان نهاية، ولا ينفك يؤثر في تناول شعوب ودول جنوب آسيا ما بعد الاستعمار ماضيها ونظرتها الى حاضرها ومستقبلها».

ودعا بريطانيا الى الجلاء عن الهند، بعد الحرب العالمية الثانية افتقارها الى الإمكانات التي تخولها السيطرة على أعظم فتوحاتها الإمبراطورية. فاضطرت الى جلاء فوضوي متسرع ومرتجل من شبه القارة، عاد على الشعوب الهندية بالكوارث، ولم يرتب على المستعمرين السابقين خسارة تذكر. فبينما كابدت السيطرة البريطانية انتفاضات عنيفة أعقبها قمع فظ، وسع القوات المحتلة الانسحاب من غير خسارة تقريباً، وبلغ قتلى القوات هذه 7 جنود. ولم تظهر نذر حمام الدم المروع يومذاك. ولا يرقى تاريخ الاستقطاب الديني الهندي الى أبعد من 20 عاماً. ولكنّ أوساطاً واسعة في كلتا الجماعتين الدينيتين رأت أن «تعايشاً سلمياً» بينهما مستحيل.

فكيف تصدعت ثقافة الهند القائمة على الاختلاط والمزيج منذ القدم على وجه السرعة؟ والسؤال كان مدار كتابات ومعالجات كثيرة. وشككت مباحث مجددة في الأعوام الأخيرة بـ60 عاماً من الأساطير القومية. وبعضها حرص على تدوين الروايات الشفهية التي عاصرت التقسيم قبل وفاة أصحابها.

ويعود فتح الهند الإسلامي الى القرن الحادي عشر (الميلادي)، مع الاستيلاء على لاهور في عام 1921. وفي 1192، قدم ترك تغلب عليهم الثقافة الفارسية من وسط أفغانستان (الحالية) ودخلوا دلهي وانتزعوها من سلاطينها الهندوس. وتوسعت سلطنة الترك، في 1323، جنوباً وبلغت مادوراي، في طرف شبه القارة. وظهرت سلطنات أخرى في الأثناء. واليوم، تنسب هذه الفتوحات الى «المسلمين». ولكن الكتابات السنسكريتية في ذلك الوقت لم تسمِّ الغزاة القادمين من آسيا الوسطى بهذا الاسم، ونسبتهم الى أقوامهم وهوياتهم اللغوية، ووصفتهم بـ «توروخا» (ترك)، ولم تحملهم على صفتهم الدينية أولاً. ولم تشذ هذه الفتوح عن مثيلها، فصحبتها المجازر، وهدمت الهياكل الهندوسية والبوذية. ولم يحل ذلك دون استيعاب الهند الفاتحين في غضون وقت دام بضعة قرون. فظهرت حضارة هندية – اسلامية، ونشأت لغات مولَّدة، أبرزها اللغة الديكانية، نسبة الى هضبة ديكان، والأوردو، وهذه مزيج من ألفاظ تركية وفارسية وعربية ومشتقات عامية من السنسكريتية.

وبلغ عدد من يسمون أنفسهم مسلمين من سكان شبه القارة واحداً من خمسة. والتمس المتصوفون الهنود أواصر تجمع بين تصوفهم وبين كتاب الفيدا. واقتبس بعضهم من اليوغا رسوماً وشارات. وامتزجت في بعض التقاليد الشعبية الريفية شعائر من مصادر متفرقة. وبعض الهندوس قصدوا أولياء واحتكموا الى تراثهم وحكمتهم. وانتشر التصوف في البنجاب والبنغال، حيث ارتكبت الفظائع غداة قرون على هذا. وغلب التهجين الثقافي على شبه القارة كلها. وتسمي كتابات من جنوب الهند سلطان دلهي، فيشنو. وفي القرن السابع عشر، أمر دارا شيكوه، وارث عرش السلالة المغولية، بترجمة البهاغافادغيتا، كتاب الهندوس الأول، الى الفارسية. وكتب الأمير رسالة وسمها بـ «ملتقى المحيطين»، كتابة عن المعتقدين. وبقيت الهند في القرن التاسع عشر بلاداً يتقاسم معتنقو دياناتها تقاليد ولغات وثقافات مشتركة. ويحمّل مؤرخون كثر البريطانيين المسؤولية عن تقهقر التقاليد المشتركة. وتعزو المؤرخة ألكس فون تونز يلمان، في كتابها الموسوم بـ «الصيف الهندي: التاريخ الخفي لنهاية إمبراطورية» (دار هنري هولت اند كومباني، 2017)، الى السيطرة البريطانية تعريف الجماعات الهندية بهوياتها الدينية، وربطهم التمثيل السياسي بهذه الهويات، ومذّاك امتنع هنود كثيرون عن قبول منازعهم الفكرية المختلطة، ومالوا الى حسم معتقدهم، ورجحوا صفاءه. وذهبت المؤرخة البريطانية ياسمين خان، في «التقسيم الكبير» (ييل يونيفرستي برس، 2008) الى ان التقسيم شاهد على صنيع إمبراطورية حطمت جماعات حية، وقسرتها عنوة على إنشاء دول ما كانت لتنشئها لولا ذلك.

ويرى مؤرخون آخرون أن التقسيم لم يكن محتوماً، وكان ثمرة حوادث متضافرة وظرفية، والى عام 1940، كان تفاديه ممكناً. وأبرز المؤرخ البريطاني، باتريك فرينش، («الحرية أو الموت»، هاربر كولينز، 1997)، دور النزاعات الفردية بين المسؤولين السياسيين، وعلى الخصوص بين محمد علي جناح، زعيم الرابطة الإسلامية، وبين موهنداس غاندي وجواهر لال نهرو، في ترجيح التقسيم. والثلاثة محامون غلبت عليهم الثقافة البريطانية، وجزء من دراستهم تلقوه في بريطانيا. وجناح وغاندي منشأهم في غوجارات. وكان المتوقع أن يتحالفا، ولكن تردي علاقاتهما الشخصية أدى الى نفرة حالت دون لقائهما تحت سقف غرفة واحدة. ومحمد علي جناح موضوع سجال بين من يحملونه المسؤولية عن التقسيم وبين من يرون فيه «باني أمة» معتدلاً. وما لا شك فيه أن جناح كان بعيداً من التعصب، وقريباً في حياته الخاصة من العلمانية. وهو أنكر على غاندي توسله بالروحانية في الخلاف السياسي، وحاول، في مطلع نشاطه السياسي، التقريب بين حزب المؤتمر وبين الرابطة. وندد بمخاوف المسلمين من هيمنة هندوسية، ووصفها بـ «خرافة يلوح بها أعداؤنا سعياً في تثبيط تعاوننا في سبيل وحدتنا التي لا غنى عنها للدولة المستقلة». وكان عضواً في الحزبين، المؤتمر والرابطة، معاً في 1915. وصاغ ميثاقاً مشتركاً في لاكنو. ولكن سطوع نجمي غاندي ونهرو أثار حفيظة جناح. وفي خطبة على منبر حزب المؤتمر، في كانون الأول (ديسمبر) 1920، سمى محمد على جناح خصمه غاندي، الأستاذ، وليس مهاتما، وهو لقبه، فرد الجمهور بالصفير. ورفعت الرابطة لواء الانفصال، في 1940، وكان أشد معارضيه من قبل. وخطب الهيئة التأسيسية الباكستانية، في آب (أغسطس) 1947، قائلاً: معتقدكم الديني وآراؤكم وطبقتكم شأنكم، وليست شأن الدولة. وبينما كان جناح يتلفظ بهذه الكلمات، انفجر عنف بين المسلمين وبين الهندوس.

وتعود النفرة والبغضاء بين الجماعتين الى الفوضى الناجمة عن الحرب العالمية الثانية. ففي 1942، استولى اليابانيون على سنغافورة ورانغون، واجتازوا بورما قاصدين الهند. فدعا حزب المؤتمر الى حملة تمرد مدني على البريطانيين. فاعتقل المحتل غاندي ونهرو وغيرهما من قادة الحملة. وفي أثناء اعتقالهما، برز محمد علي جناح حليفاً للبريطانيين، وراعياً للمسلمين ومصالحهم في وجه الهندوس. وحين أطلق سراح القادة في ختام الحرب، وصف نهرو جناح بـ «مثال الافتقار الى روح التمدن»، ورأى غاندي أنه «مجنون تقمصته روح الشر». وكان هذا ذريعة انفجار العنف بين مسلمي المدن وهندوسها، ودورانه في حلقة مفرغة. وغادر أهل الأحياء المختلطة مساكنهم، أو طردوا منها، فلجأوا الى حارات (غيتو) طائفية متجانسة. وترك القادة المحليون العنان لخطبهم النارية. ودعا بعضهم جماعتهم الى الهجوم على أحياء الجماعة الأخرى والفتك بخصومهم في سبيل «أشرف قضية»، على قول حسين شهيد سهرودي، رئيس حكومة البنغال. وارتكبت المجازر الأولى في 1946 بكلكوتا، وقتل فيها حوالى 5 آلاف. وسرت عدوى الفتن في مدن أخرى، وتعاظم عدد الضحايا. فأعاد زعماء المؤتمر، وكانوا يعارضون التقسيم، النظر في سياستهم، ورأوا انه قد يكون العلاج الوحيد لـ «تخريب» محمد علي جناح ورابطته. وعجل البريطانيون انسحابهم حين تحققوا من أفول سلطتهم وكلمتهم. وأوفدت لندن آخر «نائب ملك» على الهند، لورد لويس مونتباتن. فلم يفلح في حمل زعيم الرابطة على الاعتدال والمفاوضة. وخشي أن تضطر بريطانيا الى «التحكيم في حرب أهلية» إذا لم تجلُ على وجه السرعة. فصرف جهده وعنايته الى إقرار التقسيم حلاً أخيراً. وباغت كل الأطراف المتنازعة حين أعلن، مطلع حزيران (يونيو) 1947، أن موعد تسليم السيادة قدم 10 أشهر، الى 15/8/1947. وربما عوَّل اللورد على صدمة الإعلان لردع المتقاتلين عن استماتتهم. فخاب تعويله، واحتدم الاقتتال. ولم يقنع رسم الحدود الذي اقترحه سيريل رادكليف – وهو يجمع البنغال والبنجاب في كيان واحد بينهما 1600 كلم- كلا الطرفين.

وفي ليل 14 الى 15 آب 1947، بينما كان نهرو يزف الى الهند «يقظتها على الحياة والحرية» و «موعدها مع القدر»، كان العنف يجتاح الولايات المختلطة كلها، وركام الجثث في لاهور وعموم البنجاب يعلو. واستطالت مواكب الهاربين في البنجاب 80 كيلومتراً. وخرج المسلحون من المزارع وأطلقوا النار على الفلاحين الهاربين، ونصبوا المكامن للقطارات التي تنوء بهم. وغالباً ما اجتازت القطارات الحدود الجديدة والدماء تسيل من المقطورات. وفي غضون أشهر قليلة، تغير وجه جنوب آسيا. ففي 1941، كانت كراتشي، أول عاصمة باكستانية، تعد 47.6 في المئة من الهندوس، ودلهي عاصمة الهند المستقلة، 33 في المئة من المسلمين. وفي أواخر العقد خلت كراتشي من هنودها، وطرد 200 ألف مسلم من دلهي. وغداة 70 عاماً على «التطهير» المزدوج، المدينتان مقيمتان على «طهرهما». وذيول التقسيم لا تزال حية: فالبلدان يتحاربان في كشمير، ويقتتلان في افغانستان، وكلاهما يسارع الى صناعة القنبلة الذرية، ومدارس باكستان هي مهد «طالبان» والحركات «الجهادية» التي تدمي أنحاء العالم، ومنذ أكثر من عقدين يحكم الهند حزب قومي متشدد... فعام 1947 لم ينتهِ بعد.

 

 

* مؤرخ بريطاني، عن «ذا نيويوركر» الأميركية، 29/6/2015، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة