|   

النسخة: الورقية - دولي

يسوّق اليسار العربي دوامة من الكلام اليساري الفارغ والترهات عن الممانعة، ومقاومة الامبريالية، والمؤامرة الكونية، ومقاومة الإرهاب، والدفاع عن العلمانية، ومخطط تقسيم المنطقة الخ... وذلك دفاعاً عن مجرم الحرب في دمشق.

ما الذي يفسر هذا النوع من الخطاب «اليساري»، المدافع بشراسة عن الاستبداد؟

يعيش هؤلاء اليساريون حالة تكلس أيديولوجي مرضي، ورضة نفسية غير قابلة للشفاء. فهؤلاء ينتمون الى زمن لم يعد موجوداً إلا في رؤوسهم، يخوضون معارك وهمية لا أساس لها، هم أقرب إلى دونكيشوت في محاربته طواحين الهواء، بعد انتهاء زمن الفروسية، وليس أدل على هذا الوهم من مطابقة روسيا الاتحادية اليوم مع الاتحاد السوفياتي في زمن الحرب الباردة.

مسألتان رئيستان تختصران موقف هذا «اليسار»، قوى وأفراداً، والكثير من المسائل الأخرى تتفرع عنهما.

المسألة الأولى: يسقط هذا النوع من «اليسار الرجعي» آلام البشر من المعادلة التحليلية، إنه يسار بلا قيم إنسانية، مفاهيم التضحية، بالنسبة إليه، تعني ذبح شعب كامل من أجل قضية، أي أن القضايا غير مرتبطة بالبشر، والإنسان ليس مركزياً في المعادلة اليسارية الصراعية، التي تحمل تناقضاتها مع أعدائها الطابع الوجودي بصرف النظر عن مصائر البشر والثمن الذي يدفعونه. ومن سخرية القدر، أن هذا المنطق يسود بعد تحطم كل النظرية اليسارية (بالنموذج الذي يحملونه) وأدواتها الحزبية وأهدافها النظرية، وهي تدافع بهذا المنطق عن أشد الأنظمة تسلطية ووحشية ودموية ضد شعوبها، بوصفها معركة ضد الامبريالية! وتحاول أن تغطي على مجازره التي يندى لها الجبين، بوصفها من فعل الآخرين، تدافع عن سلطات معركتها مع شعبها تمسك دموي بالسلطة لمصالح في غاية الفئوية. و «يسار» من هذا النوع عقيم ديموقراطياً، والاستبداد جزء مكوّن من بنيته الفكرية. هذا النوع من اليسار دفع اليسارية الرثة إلى أقصاها بفصل القضايا عن أصحابها، بحيث تصبح القضايا مجردة ومتعالية لا أصحاب لها، يحميها مستبد من شعبه الجاهل العميل. بذلك نصل إلى ذروة الانحطاط القيمي والأخلاقي.

المسألة الثانية: «رهاب» الإسلام السياسي. لا يريد اليسار الأيديولوجي الإقرار بالوزن الكبير للإسلام السياسي في الحياة السياسية العربية، وبأنه جزء مكوّن من الحياة السياسية. والرد اليساري الطفولي على هذا الانتشار للإسلام السياسي هو إلغاؤه، وأداة الإلغاء الاتصالية الوحيدة القادرة على القيام بهذه المهمة، هي القمع الوحشي، ولذلك تتم المساواة بين الإرهاب وتيارات الإسلام السياسي مجتمعة. ليس كل الإسلام السياسي لوناً واحداً، وليس كل الإسلام السياسي تيارات إرهابية. مشكلة اليسار واليساريين، على رغم ضجيجهم في وسائل الإعلام، أنهم لا يريدون الاعتراف بأنهم تيار هامشي في المجتمعات العربية وأن الإسلام السياسي التيار الأكثر انتشار. هذا الانتشار يسبب «رهاباً» لهذه القوى والشخصيات. لذلك، لا يبدو غريباً أن يكون المنطق الذي يستخدمونه منطقاً استئصالياً، وأنهم مع أي أحد مهما كان دموياً في مواجهة الإسلام السياسي، مهما كان الثمن، ولو كان تدمير البلد بالكامل.

إن «يساراً» بلا قيم، يدافع عن السلطات التي ارتكبت جرائم حرب بحق شعوبها، ليس فقط يساراً رجعياً، وعقيماً ديموقراطياً، بل هو شريك في الجرائم المرتكبة بحق الشعوب العربية، ومسؤول أخلاقياً عن الدم المسفوك، من قبل الطغاة الذين يدافع عنهم.

 

 

* كاتب فلسطيني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة