|   

النسخة: الورقية - دولي

انكشف خطابنا السياسي مع التحولات الكبرى في البنى المجتمعية والوطنية والأيديولوجية العربية وبعد الحركات الجماهيرية التي سُميت «الربيع العربي»، عن تناقضات جذرية وخلل بنيوي طاول كل التصورات والمبادئ والمسلّمات التي درج عليها فكرنا التاريخي وأيديولوجياتنا المتوارثة. فكان أن تساقطت تباعاً، الواحدة تلو الأخرى لتتركنا في ضياع لا نعرف كيف نخرج منه لنعيد صوغ رؤانا للواقع العربي من جديد، الأمر الذي يفرض مساءلة تاريخنا بكامله والمنحى الذي سلكناه في قراءته ومواجهة إشكالاته.

في هذا الإطار، يجب أن نقرأ مأزق الشعار الديموقراطي الذي رفعته الانتفاضات، والذي جاء تتويجاً للشعارات التي ألح عليها خطابنا السياسي منذ الربع الأخير من القرن الماضي. لكن الديموقراطية التي أفضت إليها تلك الانتفاضات جاءت منزوعة من سياقها الليبرالي القائم على المساواة والمواطنية الكاملة وحقوق الإنسان والمرأة، لتتحول إلى صراع طوائف ومذاهب وإثنيات قاد إلى زلزلة البنية الوطنية وإصابتها بشروخ عميقة قد لا تلتئم في المدى المنظور، الأمر الذي يفرض قراءة نقدية في خطاب الديموقراطية ومراجعة جذرية لشعارها ومضمونها.

من المنحى ذاته يجب تناول سؤال الوحدة العربية، فبعد أن دأب القوميون العرب منذ القرن التاسع عشر إلى الآن على تأكيد وحدة العرب القومية، بات عليهم الآن الإبقاء على وحدة الأقطار العربية ذاتها، المهددة بالتمزق والتفتت، ولو وفق صيغة سايكس - بيكو (السيئة الذكر) وإعادة ضمّها في سياق مواطني من جديد.

وتقتضي المراجعة النقدية لخطابنا السياسي إسقاط مقولات التحول الاشتراكي والقومي بقيادة طبقة رائدة أو كتلة تاريخية أو إقليم قاعدة أو حزب طليعي يقود الجماهير ويؤطرها في النضال من أجل إرساء المجتمع القومي أو المجتمع الاشتراكي الذي تتوق إليه هذه الجماهير، وتنتظر من يوجه بوصلتها ويهديها إلى «فردوسه». إلا أن تجربة الانتفاضات العربية أثبتت أن للجماهير أجندة أخرى تنهل من المعين الطائفي والمذهبي، وأن الاشتراكية أو الوحدة القومية ليستا من أولوياتها أو مما يدخل في حساباتها. كما أن «الطبقة القائدة» أو «الحزب الطليعي» أو «الكتلة التاريخية» لم تتشكل بعد في عالم عربي يعاني من ضمور الرؤية الحداثية والأفكار التنويرية. أما ما عرف من أحزاب وأيديولوجيات فلم يكن إلا للإمعان في ترسيخ إرث السلطوية والاستبداد وإدامتهما.

ومن مقولات خطابنا السياسي التاريخي التي تواجه تحدياً جذرياً، مقولة «المثقف» العربي الرائد ودوره التنويري إزاء «بؤس الجماهير وضلالها»، إذ بينت انتفاضاتنا بعد أكثر من خمس سنوات على اندلاعها، هامشية دور المثقفين وضآلة تأثيرهم، فضلاً عن انحياز شرائح واسعة منهم إما إلى الاستبداد الأصولي أو إلى استبداد السلطات، بل إن وعي الجماهير تقدم أحياناً على وعي المثقفين، وطالما كان هؤلاء عاصماً للأمة في محنها التاريخية.

ولا مفر لخطابنا السياسي من إعادة نظر جدية بالعلاقة مع الغرب في ضوء المآلات البائسة للربيع العربي، فلم يكن الغرب هو الذي صنع خيباتنا وتخلفنا، وإن كان قد ساهم في تردينا وانحدارنا، ففي تاريخنا وبنانا المجتمعية ما أسس لذلك، وطالما أشار باحثونا ومفكرونا إلى خلل بنيوي قائم في عمق نسيجنا الثقافي التاريخي.

لكن ذلك أيضاً لا يعني أننا محكومون باستكانة أبدية إلى التخلف والاستبداد، فقد أكدت التضحيات الجسام التي بذلتها شعوبنا، وإن وفق رؤية ملتبسة، ومن أجل حرية لم تتحقق، وضد استبداد ما زال جاثماً، إذ جذوة الحياة والحرية والكرامة لا يمكن أن تطفأ في داخلنا إلى الأبد، وأن ما تروجه أنظمة الاستبداد من أنه ليس أمامنا إلا خيار واحد بين إرهاب النظام والإرهاب الأصولي، لا يمكن أن يكون الخيار الوحيد والنهائي.

هذه المراجعة الجذرية لخطابنا السياسي هي السبيل الناجح في رأينا للخلاص من وعينا الشقي، وهي التي تمهد أمامنا سبل معرفتنا لواقعنا التاريخي وإمكان خلاصنا من مأزقنا المزمن ولو بعد حين.

 

 

* كاتب لبناني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة