|   

النسخة: الورقية - دولي

في ذكرى 50 عاماً على حرب 1967، يبدو أن إسرائيل حققت أمنية مائير. فهي تمسك بالأرض من دون أن تقترن بالسكان. ويبدو أن هذه الحال مستدامة، على رغم أنها غالباً ما توصف بالافتقار الى مشروعية قانونية، وبأنها، تالياً، موقتة. ويستند هذا الترتيب الى ثلاثة أركان: الدعم الأميركي، الضعف الفلسطيني واللامبالاة الإسرائيلية. وترى الحكومة الإسرائيلية أن الإبقاء على الاحتلال أقل كلفة من تقديم تسويات يقتضيها طيه وإنهاؤه.

ووراء كل من الأركان الثلاثة هذه أسطورة يروجها القادة الأميركيون، والمجتمع الفلسطيني أو المجتمع الإسرائيلي. فالأميركيون يحسبون أن الاحتلال غير مستدام. وهذه الأسطورة هي عامل بارز وحيوي في تسويغ الدعم المالي والديبلوماسي للاحتلال. فتذهب وزارة الخارجية الأميركية وافتتاحيات كبرى الصحف ووصولاً الى بيانات منظمات مؤيدة للسلام مثل «جاي ستريت»، الى أن إسرائيل ستضطر الى الاختيار، في القريب العاجل، بين منح الفلسطينيين الجنسية أو الاستقلال، أي الاختيار بين أن تبقى ديموقراطية أو تتحول دولة أبارتايد. ولكن ليس من يدعو الى إلزام إسرائيل هذا الخيار، على رغم أنها أظهرت أكثر من مرة أنها متشبثة بالخيار الأسهل- مواصلة الاحتلال- من دون نتائج فعلية يعتد بها. وما يترتب على الاحتلال هو زيادة التمويل الأميركي له. فحصة إسرائيل من المساعدات العسكرية الأميركية تفوق حصة العالم مجتمعاً من المساعدات هذه.

ولكن مقولة أن إسرائيل لا يسعها مواصلة استتباع الفلسطينيين تستند الى سلسلة لا تنتهي من أخطار وهمية مرتقبة يؤمل بأن تحمل إسرائيل على إنهاء الاحتلال. وفي وقت أول، كان الخطر المرتقب هو هجوم تشنه الدول العربية. ولكن الخطر هذا لم تكتب له حياة مديدة. ووسع إسرائيل إبرام اتفاق سلام مع أقوى دولة عربية، مصر. وثبت أن العرب عاجزون عن حماية لبنان من اجتياح إسرائيلي. ثم دار الكلام على خطر سكاني مترتب على غالبية فلسطينية تمتد من نهر الأردن الى المتوسط. ولكن الإحصاءات السكانية الإسرائيلية والفلسطينية تشير الى أن اليهود أقلية فعلية في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، وأن لا نتائج ترتبت على هذا الواقع. وينبه شطر راجح من دول العالم الى أن حكماً غير ديموقراطي تمسك بمقاليده أقلية يهودية وشيك في المستقبل، في وقت تغفل عن الإقرار بأن مثل هذا الحكم قائم اليوم، وعن إدانته. والى الخطرين هذين، تعلو الأصوات المحذرة من تجدد العنف الفلسطيني. ولكن إسرائيل هي صاحبة أقوى جيش في المنطقة، وأظهرت مراراً أن قدرتها على الصمود والاستمرار تفوق قدرة الفلسطينيين المنقسمين والمرهقين على المقاومة. ومن سلسلة الأخطار الوهمية خطر بروز أو صعود قوى مؤيدة للفلسطينيين مثل الهند والصين. ولكن الخطر هذا مجوف ولم يخلف أثراً سلبياً في إسرائيل التي وثقت علاقاتها بالبلدين هذين. وحركة المقاطعة والعقوبات صاخبة في بعض الجامعات الأميركية، ولكنها لم تؤثر في الاقتصاد الإسرائيلي ولا في مواطني إسرائيل. وما يدعو اليه بعض المثقفين الفلسطينيين وحلفاؤهم، أي حل الدولة الواحدة، لم تؤيده الفصائل الفلسطينية، ويفتقر الى إجماع في الضفة الغربية وغزة. وإذا حاز الإجماع، وسع إسرائيل الانسحاب من الضفة الغربية، على نحو ما انسحبت في 2005 من غزة.

والحلقة الأخيرة في سلسلة الأخطار المجوفة هي الأخطار المترتبة على التغيرات السياسية في المجتمع الأميركي واليهود الأميركيين. فإسرائيل صارت مدار خلاف بين الثنائية الحزبية في أميركا، وتشير إحصاءات الى أن الديموقراطيين يميلون الى تأييد بعض العقوبات الاقتصادية على المستوطنات الإسرائيلية. ويُشار الى أن نسبة الزيجات المختلطة بين اليهود الأميركيين وغير اليهود ترتفع، وأن التعلق بإسرائيل يفتر ويخف. والمنظمات اليهودية الأميركية منقسمة على دعم البلد هذا. ولكن على رغم هذه المؤشرات والمنغصات، تشير استطلاعات الرأي الى أن الأميركيين عامةً مع ترجيح كفة إسرائيل على كفة الفلسطينيين. ومنحت واشنطن إسرائيل أكثر من 120 بليون دولار منذ بدء الاحتلال، وأنفقت عشرات بلايين الدولارات على دعم أنظمة تؤيد إسرائيل في وقت أن شعوبها تعاديها، ومدت السلطة الفلسطينية ببلايين مقابل الحؤول دون هجمات على المستوطنات الإسرائيلية. والحق يقال إن الفلسطينيين يؤيدون بقاء الأمور على حالها. فقادتهم يحسبون أن التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي سيوجه اليه الضربة القاضية. فحسن سلوك الفلسطينيين سيحمل الإسرائيليين على المطالبة بإنهائه، أو سيطيح أعذار إسرائيل، فتُلزمها أميركا والمجتمع الدولي منح الفلسطينيين استقلالهم.

والأسطورة هذه هي وراء دعم إجراءات اوسلو، على رغم مرور سنوات طويلة على انتهاء مدة صلاحيتها في 1999. وكانت الأسطورة هذه ركن مشروع رئيس الوزراء السابق، سلام فياض، الرامي الى إرساء مؤسسات الدولة الفلسطينية، ووراء الهدوء والتعاون الأمني الوثيق مع إسرائيل في عهد الرئيس محمود عباس في الضفة الغربية.

ويقابل الأسطورة هذه أسطورة يسوقها المسؤولون الإسرائيليون ويجترها السياسيون الأميركيون، ومفادها بأن إسرائيل لن تقدم تنازلات تحت الضغط، ولكنها ستقدم عليها إذا عونقت أو رحب بها. ولكن السوابق التاريخية تظهر خلاف ما تزعمه الأسطورة هذه. فالضغط الأميركي القاسي، ومنه التلويح بعقوبات اقتصادية، حمل إسرائيل على الجلاء عن سيناء وغزة بعد أزمة السويس في 1956، وعلى الانسحاب جزئياً في 1975 من سيناء، وعلى القبول بمبدأ انسحابها من أراض احتلتها في حرب 1967، في اتفاقات كامب دايفيد في 1978، وعلى وقف التوغل في جنوب لبنان في 1977 و1978. وساهم الضغط الفلسطيني كذلك، ومن أشكاله التظاهرات الضخمة والعنف- في كل انسحاب إسرائيلي من الأراضي الفلسطينية. فرئيس الوزراء اسحق رابين، وهو وافق على أول انسحاب إسرائيلي من أجزاء من الضفة الغربية وغزة، اقترح حكماً فلسطينياً ذاتياً في 1989، حين كان وزير دفاع يسعى الى سحق الانتفاضة الأولى. واضطر اسحق شامير حين كان رئيس وزراء، وهو كان من أشرس معارضي التنازل عن الأرض للعرب، الى إعداد خطة حكم ذاتي فلسطيني. وحين نحت الانتفاضة أكثر فأكثر الى نزاع عسكري في 1993، وأغلقت إسرائيل الأراضي المحتلة، عقد المفاوضون الإسرائيليون اجتماعات سرية بالفلسطينيين على مقربة من اوسلو، وطالبوا بوقف الانتفاضة وقبلوا بسحب الحكومة العسكرية وإرساء حكم فلسطيني ذاتي. وفي 1996، إثر اشتباكات وأعمال شغب عرفت بـ «هبة النفق»، اقترح بنيامين نتانياهو، رئيس الوزراء، المفاوضة على الانسحاب من الخليل، والتزمت إسرائيل بالانسحاب رسمياً بعد أشهر.

وفي الانتفاضة الثانية، زادت الهجمات الصاروخية من غزة سبعة أضعاف في العام الذي سبق إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، ارييل شارون، الانسحاب من غزة. وبعد فك الارتباط بغزة، اقترع كثر من الإسرائيليين لحزب «كاديما»، على رأسه رئيس ايهود أولمرت الذي دعا في حملته الانتخابية الى الانسحاب من 91 في المئة من الضفة الغربية شرق الخط الفاصل أو جدار الفصل. ومع توقف سيل الدماء، لم يعد حل المشكلة الفلسطينية حاجة ماسة. ولم يبرز اقتراح جدي لانسحاب أحادي، إلا بعد ارتفاع معدلات العنف في الضفة الغربية والقدس في الشطر الأخير من 2015. وأكثر الأساطير رواجاً في إسرائيل هي تلك القائلة أنها لا تملك شريكاً في عملية السلام، وأن الفلسطينيين يرفضون اتفاقات السلام، وأنهم لن يتخلوا عن أهدافهم ولم يقدموا يوماً تنازلات، على رغم العروض الإسرائيلية الكريمة. ولكن الحق يقال إن تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية يمتد على فصول طويلة من الهزائم العسكرية والتنازلات الأيديولوجية. وانتهت هذه الفصول الى اعتراف «المنظمة...» بإسرائيل وحدود ما قبل 1967، والتنازل عن 78 في المئة من فلسطين التاريخية. وفي 1988، حين صدعت منظمة التحرير، نزولاً على دعوات المجتمع الدولي، بدولة فلسطينية على 22 في المئة مما تبقى من مساحة فلسطين، سحب البساط من تحت أقدام الفلسطينيين، وصارت المساحة هذه هي أقصى ما يحق لهم المطالبة به. وقلة من القادة الإسرائيليين أقرت بضخامة التنازلات الفلسطينية، ووصفها شمعون بيريز بـ «أعظم الإنجازات» (الإسرائيلية).

وفي ربع القرن الأخير من المفاوضات الأميركية المتقطعة، كان عجز الفلسطينيين وراء مزيد من التنازلات. فوافقت «منظمة التحرير» على ضم إسرائيل كتلاً استيطانية، وتنازلت عن شطر كبير من القدس الشرقية، وصدعت بأن عودة الفلسطينيين ستحتسب المخاوف السكانية الإسرائيلية، وبقيود على القدرات العسكرية للدولة الفلسطينية المستقبلية وعلى سيادتها. ولم يُقترح عليهم ما قدمته إسرائيل الى دول الجوار: الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة.

محلل في "انترناشونال كرايزيس غروب" عن "نيويورك تايمز " الأميركية 2/6/2017 اعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة