|   

النسخة: الورقية - دولي

هل يكون انتخاب دونالد ترامب خاتمة النظام العالمي الذي عرفناه منذ 1945؟ وهل يقترب النظام «الدولي الليبرالي» الذي رفعته الولايات المتحدة على الأكف غداة الحرب العالمية الثانية من نهايته إلى غير رجعة؟ هذا السؤال يطرحه بعض خبراء العلاقات الدولية من أمثال جدعون روز وغيره، ويفترض في النظام العالمي ألا يكون مغلقاً، وأن يقوم، وإن جزئياً، على قواعد تتيح إرساء أسس تدعو الدول إلى نسج علاقات متبادلة وتعاون ذي طابع مؤسسي، على ما يعرّف جي جون إيكينبيري «النظام الدولي الليبرالي». وهذا النظام سبق أن امتحن مرات كثيرة، ولكن أميركا، هذه المرة، هي مصدر الامتحان والشكوك التي تحيق بنظام كانت ضمانته الأولى. ونشهد، منذ أعوام، مع عودة روسيا وتعاظم دور الصين استئناف العلاقات الدولية القائمة على موازين القوى. ويرافق هذا الاستئناف تحفظ معلن عن النظام الدولي القائم، وتعطيل للعمل الجماعي، في قضية الأمن على وجه الخصوص. ويلاحظ أن التحفظ لا يقتصر على القوى الكبيرة ويتعدى هذه إلى القوى الإقليمية. وليست القوى الإقليمية التي تسعى في التعطيل «دولاً مارقة»، على ما سميت في تسعينات القرن الماضي، ولا هي دولاً متسلطة أو ديكتاتورية ضرورة. فالديموقراطيات الكبيرة والناشئة تشكك في نظام ترى أن سنده هو الهيمنة الغربية و «الكيل بمكيالين» والتحايل على مسائل الأمن والتجارة ومحاربة الفساد وحماية البيئة. وتقارب روسيا والصين وأفريقيا الجنوبية والبرازيل والهند في إطار الـ «بريكس»، قرينة على إخفاق النظام الدولي الحالي.

وهشاشة النظام العالمي أحد مصادرها بلدان غربية يفترض انها من كافليه والمستفيدين منه. فالرأي العام في هذه البلدان أصابه الإرهاق مما يحسبه أكلافاً ناجمة عن رعاية هذا النظام- من التدخل العسكري إلى المساعدات الدولية. ويحمل الرأي العام وجوهَ التخلي عن التجارة الحرة والهجرات وغوث اللاجئين على حلول جائزة لمشكلات تعانيها بلاده. وعلى هذا، لم يعد الاعتقاد بأن النظام الدولي الليبرالي هو خير ضمان لأمننا وازدهارنا يقيناً مشتركاً وراسخاً.

ولا شك في أن هذا التقويم، ساغ أم لم يسغ، هو في مثابة واقعة سياسية ينبغي الإقرار بها واحتسابها في العمل. ومن السذاجة تبرئة القوى الغربية من المسؤولية. فهي ارتكبت أخطاء («إجماع» واشنطن على سبيل المثل) وأخفقت في الاضطلاع بتحديات جوهرية (السلام في الشرق الأوسط. ولعل خطأها الكبير هو انقيادها إلى «بربرة البورجوازي» التي رأى بيار هاسنر أنها أحد أخطر انزلاقات الديموقراطيات الليبرالية حين توارب في تقدير عنفها وتفرط في الرد على عنف خصومها. وهي أقرت، أخيراً، على ما لاحظ فرنسيس فوكوياما (ذي أميركان إنتيرست، المجلد الأول، العدد 3، 2006)، بأن عليها الاختيار بين فاعلية العمل الجماعي الدولي وبين مشروعيته، والإقلاع عن زعم الجمع بين الإثنين. وتبلور النظام الدولي، مع «السلم البريطاني» في القرن التاسع عشر، على أركان «ليبرالية» ثلاثة: احترام الحق، وحقوق الإنسان والتجارة الحرة، قبل أن ينحو إلى التعاون المنتظم في ختام الحرب العالمية الأولى. وعجزت أزمة أعوام 1930 والحرب العالمية الثانية والحرب الباردة عن القضاء عليه. وبدا، بعد سقوط الكتلة السوفياتية ومع «تمام التاريخ» الذي آذن بعموم «ديموقراطية السوق»، أن النظام الدولي الليبرالي قد يصبح بداهة كونية يشترك فيها البشر والدول.

ولكن عوامل ثلاث نقضت هذا التفاؤل، أولها أن النظام الدولي أدى إلى توزيع جديد للقوة والسلطان، على الصعيد الاقتصادي قبل أي صعيد آخر، مع انقلاب ترتيب القوى العالمية إنتاجاً وتجارة. وترتبت على الأطوار الاقتصادية نتائج استراتيجية. ولم تتكتم القوى الناشئة على تطلعها الى تبوؤ مكان أعلى وأوسع في إطار النظام العالمي. وهذا ما لم يلبه على الوجه المناسب إنشاء مجموعة الدول الـ20 ولا إصلاح منظمات بريتون وودز (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي...).

والعامل الثاني هو ظهور توزيع القوة والسلطان في مظهر نهاية السيطرة الغربية على العالم و«صعود الباقي»، على قول فريد زكريا. وهذه الوجهة لا تعني هشاشة قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على ضمان استقرار النظام الحالي، فحسب. فهي تعني كذلك أن التطلعات إلى إعادة النظر في النظام الدولي لا تقتصر على توزيع السلطة في إطاره، بل تتناول وجوهاً وعناصر معيارية: على الصعيد الحقوقي (العدالة الجزائية الدولية، قانون الحرب، اللجوء)، وعلى الصعيد السياسي (مكافحة التغير المناخي، المعايير الاجتماعية في التجارة، المبادئ الديموقراطية). والخلاف على هذه المسائل عميق، وليس العالم الغربي مجمعاً على نهج الإصلاح.

و «لبرلة» النظام الدولي تؤاتي، ثالثاً، نشوء تحديات جديدة. وتوزع السلطان، على معنى تحرره من تمركزه السابق، إلى إيجاب القوى الإقليمية والمتوسطة وبروز أدوار (منظمات) غير حكومية، هي من ثمرات هذه «اللبرلة»، ومن التحديات الجديدة. ويطرح «تدول» السياسة الدولية- أي شيوع التدفقات العابرة للحدود: المادية والمعنوية، المشروعة والمهربة- مشكلات مستعصية على نظام لم يزل في قرارته، قائماً على العلاقات بين الحكومات والدول. والجوانب التي يخشى تهديدها هذه العلاقات ومبانيها، تغذي نزعات الانكفاء وربما الانغلاق الاقتصادي والسياسي والذاتي، على خلاف أركان النظام الدولي الليبرالي.

والمفارقة هي في الجمع بين تعاظم التكامل، وخسارته بداهته. فإحدى مقدمات النظام الدولي الليبرالي هي التعويل على الاواصر بين الدول، وعلى التوسل بها إلى معالجة التحديات الدولية من طريق تمتينها وتقويتها. وبينما تُظهر الأزمات العامة والمشتركة، الاقتصادية والإنسانية والأمنية والصحية والبيئية، وتفاقمها الناجم عن تدولها، الحاجة إلى إطار مناسب، تتردد الدول في انتهاج سياسات منسقة ومتضامنة. ويعود هذا التردد إلى التشكيك في منافع التكامل. فعلى الصعيد الاقتصادي لم يمحُ خروج نحو بليون إنسان من الفقر المدقع، بين عام 2000 و2015، تعاظم التفاوت بين الأغنياء والفقراء، ولم يعوضه... وفي الاقتصادات المتقدمة، لا تعوض أرباح العولمة وعوائدها خسارة «الخاسرين». وعلى صعيد الامن، لم تنحسر النزاعات، واستجدت تهديدات استراتيجية غير مسبوقة، مثل الإرهاب والإجرام السيبري (السيبرنيطيقي)، تعتاش على التكامل و «التدول» وثغراتهما. والانكفاء المتشدد على الهويات والتقاليد الثقافية وجه من وجوه الخيبة من وعود العولمة المعلنة.

والنتائج السياسية المترتبة عن تعاظم التكامل والترابط تثقل على المواطنين، وتتجاوز الدول إلى السكان. فالإرهاب، والعدوان على البيئة، وتبديد الطاقة، والتجارة غير المتكافئة، والهجرات، مظاهر لأثر العلاقات الدولية في الحياة اليومية، جنوباً وشمالاً. وهذا ما يعصى الديبلوماسية الحكومية الاضلاع بمعالجته، على وجهي المضمون والمنهج. وإلحاح الأحزاب السياسية الشعبوية في طلب استفتاءات تتناول هذه المسائل دليل على أنها تحتسب خطورتها فوق احتساب الدول. وسبق لبيير هاسنر في 1993 (في كتابة الموسوم بـ «العنف والسلم. من القنبلة الذرية إلى التطهير العرقي»، 1995) أن نبه إلى «استحالة صوغ نظام دولي، اليوم، في ضوء تفتت العلاقات الدولية وتناقضها». وعيّن هاسنر 3 مستويات يتبدى عليها تناقض العلاقات الدولية: بين القضايا الشاملة والسلطة المشتتة، بين التحديات المعقدة الأبعاد والسلطات الجزئية- بين المبادئ العمومية وبين الوقائع الخصوصية والمتناثرة. ولا مناص من الإقرار بأن النظام الدولي الليبرالي لم يصُغ جواباً مَرضياً عن هذه التناقضات، وبأن ولاته ينزلون تدريجاً عن المبادئ التي ينهض عليها. والكوسموبوليتيون «اختياراً» يقرون بالغلبة للكوسمبوليتيين «اضطراراً» مثل المهاجرين واللاجئين. وبلغ ضعف انخراط القوى الغربية، وأولها الولايات المتحدة، في خدمة النظام الدولي الليبرالي أوجَه مع انتصار «المحافظين الجدد» في عهد إدارة بوش (الابن). وغداة 11 أيلول (سبتمبر) 2001، رأت هذه الإدارة أن النظام العالمي قاصر عن الاضطلاع بوظيفته: فالأيديولوجية الليبرالية مقيدة بالمبادئ الجامعة والعامة، ويناقض بعضها بعضاً، وترجح كفة المفاوضة والتعددية، وتأنف من إعمال القوة، وعلى هذا، فهي تغامر بنزع سلاح هذا النظام أمام من ينقادون لأهواء الخوف والكراهية والمجد (على ما كتب بيير هاسنر). فدخلت أميركا عالماً قدمت فيه سعيها في إرساء أمنها على سعيها في رفاهيتها. وأظهرت إدارة بوش نفوراً حاداً من احتمالات تهديد الأمن الأميركي يفوق بما لا يقاس نفور الإدارات السابقة. فرجحت كفة أرباحها النسبية، على المعنى الاقتصادي: فهي لا ترمي إلى زيادة ثروتها أو تعظيم قوتها، بل تريد زيادة ثروتها وقوتها فوق الزيادة التي يجنيها جيرانها، أو يجنيها منافسوها المحتملون.

وزعم المحافظون الجدد الإجابة عن مشكلات هذه الأطوار: فدعوا إلى الأمن الوقائي رداً على أخطار غير مقبولة قبل التثبت منها ومن وشكها، وقدموا المهمة على التكتل الذي يضطلع بانجازها وليس العكس، تفادياً للمساومة على غايات العمل الجماعي؛ واشترطوا تغيير النظام المدان لأن العقوبات الدولية ومهمات التفتيش المرفقة ليست ضمانة فعلية لردع بعض الدول. ولا شك في ان العراق كان القرينة على اخفاق البديل المرجو. ولكن إرث هذه السياسة لا يزال فاعلاً على وجوه كثيرة، وصوغ القضايا يدين بشطر غالب منه لعقيدة المحافظين الجدد. وهذه العقيدة نشأت أصلاً عن ضعف الثقة في السياسة الدولية. والهيئات الدولية التي يزدريها المحافظون الجدد، قد تحمل على محاولة جواب متماسك وعلاج فعلي لضعف الثقة. ومسألة الأمن- وتقضي تقليدياً باستحالة الثقة في البلد الجار، ولكن التحوط منه يدعوه بدورهإلى الحذر والشك، وقد يؤدي الامر الى انفجار النزاع- هي عقدة السياسة الدولية. والهيئات المتعددة الاطراف وسيلة الى بناء الثقة المفقودة، وذلك من طريق توفير ضمانات لها وربطها بشركاء ذوي مصالح متوازنة.

فالمؤسسات المتعددة الأطراف لا تقتصر على تقنية ديبلوماسية تعالج العلاقة بين ثلاثة أطراف وما فوق، فهي نهج يصلح لتنظيم العلاقات الدولية وهيكلتها. وركنها هو الأمن الجماعي: أي أن العدوان على أمن طرف واحد يعتبر عدواناً على الأطراف المتعاقدة كلها وتلزم المتعاقدين برد جماعي. ويسري المنطق ذاته في التعددية التجارية: فيتولى بندا المعاملة المفضلة والتحكيم القانوني في الخلافات ضمانة الضعفاء من القوي المتسلط. وإقرار التسديد الإلزامي على الصعيد المالي إجراء يسوغه مبدأ التكامل والتضامن بين المتعاقدين نفسه.

 

 

* مدير مكتب المجلس الاوروبي للعلاقات الدولية بباريس، عن «إسبري» الفرنسية، 6/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة