|   

النسخة: الورقية - دولي

كلما دار الكلام على جيش أوروبي، برز الخلاف بين الأوروبيين. ويبدو أن هذا الجيش هو من بنات الخيال وبعبع ينفخ في المخاوف: فالفيديراليون في بروكسيل يرون أن حاجة أوروبا الى قوة دفاع مشتركة حيوية، بينما ترفض لندن وغيرها هذه الفكرة بذريعة أن قوة كهذه تنافس «الناتو». ولكن اليوم ووراء الأبواب المغلقة، خطت ألمانيا وتشيخيا ورومانيا خطوة رادكيالية نحو ما يشبه جيش أوروبي. فهذه الدول أعلنت دمج قواتها المسلحة.

ولا شك في أن الجيش الروماني لن ينضم كله الى الجيش الألماني، ولن تصير القوات المسلحة التشيخية وحدة ألمانية. ولكن في الأشهر المقبلة، ستلتحق الكتيبة الرومانية 81 الآلية بكتيبة الرد السريع الألمانية، شأن الكتيبة التشيخية الرابعة للانتشار السريع- وهذه سبق أن شاركت في مهمات «الناتو» في أفغانستان وكوسوفو وتعتبر رأس حربة الجيش التشيخي- التي ستنضم الى الفرقة المدرعة العاشرة الألمانية. وتسير تشيخيا ورومانيا على خطى كتيبتين هولنديتين سبقتهما الى الالتحاق بقوات الرد السريع الألمانية واندمجت في الفرقة المدرعة الأولى في الجيش الألماني. فالحكومة الألمانية تشير الى أنها ترغب في المضي قدماً في الاندماج الأوروبي العسكري.

واقترح جان - كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية فكرة جيش أوروبي، ولكنه لم يلق أذناً صاغية تارة، وقوبل بالسخرية تارة أخرى. والمواقف هذه على حالها، في وقت أن بريطانيا، وهي من أبرز معارضي المشروع هذا، تعد للانسحاب من الاتحاد الأوروبي. والإجماع هش بين القوى الأوروبية على شكل مثل هذه القوة الدفاعية المشتركة ومشاركة القوات المسلحة الوطنية فيها. وفي آذار (مارس) المنصرم، أنشأ الاتحاد الأوروبي مقراً للقوات الأوروبية المشتركة. ولكن صلاحياته تقتصر على تدريبات في الصومال ومالي وجمهورية وسط أفريقيا. وعديده لا يزيد على 30 عنصراً.

ويبدو أن مبادرة برلين إلى «إطار العمل (المشترك) بين الأمم» طموحة، فهي ترسي شبكة جيوش أوروبية صغيرة بقيادة البوندسوير (الجيش الألماني). و «المبادرة هذه ولدت من ضعف الجيش الألماني. فـ «الألمان يدركون أن جيشهم يحتاج الى ملء ثغرات في قواته البرية ليحوز نفوذاً سياسياً وعسكرياً في الناتو»، تقول المحللة جوستينا غوتوسكا.

ووسم مشكلات الجيش الألماني بالـ «ثغرات» يخفف وقعها. ففي 1989، كانت حكومة غرب ألمانيا تنفق 2.7 في المئة من ناتجها على الدفاع، ولكن الانفاق هذا تدنى الى 1.4 في المئة في العام 2000. وبين 2013 و2016 لم يتجاوز الانفاق الدفاعي الألماني 1.2 في المئة، في وقت يدعو «الناتو» أعضاءه الى رفع نسبة الانفاق هذا الى 2 في المئة. ويظهر عرض قدمه الجيش الألماني أمام البرلمان الألماني في 2014 أحوال قواته المحزنة والتي يرثى لها: شطر راجح من مروحيات البحرية الألمانية لا يعمل، وتدور عجلة 18 مروحية فحسب من 64 مروحية في حوزة الجيش الألماني. وعديد جيش ألمانيا الغربية بلغ في الحرب الباردة 370 الف جندي، ولكنه في 2016 تدنى الى نحو 176 ألف جندي وجندية. وعديده مذذاك ارتفع الى أكثر من 178 ألفاً، وزادت الحكومة الألمانية العام المضي تمويل القوات المسلحة 4.2 في المئة، وزاد الانفاق العسكري 8 في المئة في 2017. وعلى رغم هذه الزيادة، لم تحز ألمانيا قوة عسكرية تضاهي القوة الفرنسية او البريطانية. ولا إجماع على رفع النفقات الدفاعية في ألمانيا، وأعلن وزير الخارجية، زيغمار غابرييل، أخيراً، أن بلوغ بلاده عتبة الإنفاق «الأطلسية»، أي 2 في المئة من الناتج المحلي - غير واقعي.

وترمي مبادرة «إطار العمل (المشترك) بين الأمم» الى تقاسم الموارد مع دول أصغر في مقابل استخدام قواتها. وترى الدول الأوروبية الأصغر أن ألمانيا من طريق «إطار العمل...» صارت أكثر مساهمة في الأمن الأوروبي، في وقت تلتف برلين على سياسات التوسع العسكري الألماني الشائكة. وفرنسا والمملكة المتحدة غير مخولتين توجيه دفة الأمن الأوروبي. فبريطانيا تصطدم مع حلفائها في الاتحاد الأوروبي، وفرنسا هي قوة عسكرية وازنة تتردد في المشاركة في مساعي متعددة الجنسية في «الأطلسي». والقدرة على نشر فرق ثنائية الجنسية تفوق القدرة على نشر فرق متعددة الجنسية، فمثل هذه الفرق (الثنائية) أو الوحدات تكتب لها حياة مديدة. وعين شركاء ألمانيا الصغار على منافع عملية تترتب على «مبادرة إطار العمل...» مثل تحسين مستوى تدريب القوات الرومانية والتشيخية والارتقاء بها الى مستوى الجيش الألماني. ومن طريق هذه «المبادرة...» عوضت هولندا افتقارها الى دبابات، بعد أن باعت آخر دباباتها في 2011.

والتعاون الدفاعي هذا لم يلفت الأنظار. وقلة من الأوروبيين اعترضت على دمج فرق هولندية او رومانية بالفرق الألمانية. وامتحان فاعلية هذه الوحدات هو القتال. وقد يكون الاتفاق على لغة مشتركة تتواصل من طريقها الفرق المندمجة شائكاً. فهل يُطلب من الشركاء الأصغر التحدث بلغة الشريك الأكبر، أي ألمانيا؟ والى اليوم، لسان كتيبة اولنبورغ الثنائية الجنسية هو الانكليزية.

 

 

* باحثة، مراسلة صحافية، عن «فورين بوليسي» الأميركية، 22/5/2017، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة