|   

النسخة: الورقية - دولي

على رغم بدء الهجـــوم عـلـى الرقة، والمؤشرات إلى قدرة القوات التي تدعمها أميركا على إسقاط المدينة من غير عسر، أمر قائد مقاتلي «قسد» أشرس قواته بالانسحاب من المدينة. وعينه، شأن كثر في حرب سورية المتعددة الأوجه، على معركة الجنوب السوري. وهناك تدور مواجهة معقدة أهميتها الاستراتيجية أكبر وأخطارها ضخمة. ويتوقع أن يخوض «داعش» معركته الأخيرة في الرقة ولكن في منطقة على الحدود بين العراق والأردن ومنطقة سورية تختزن شطراً كبيراً من المخزون النفطي السوري المتواضع- وهذه المنطقة حيوية في إرساء استقرار سورية. ومن يسيطر عليها، وهي قليلة السكان، ينتزع من «داعش» آخر معاقل الخلافة في سورية، ويؤدي دور الفيصل في تحديد مصير سورية وديناميات ما بعد الحرب في المنطقة.

وتسعى كل من أميركا وإيران وروسيا الى إحراز تقدم في المنطقة هذه من طريق نشر قواتها وإعداد مقاتلين بالوكالة عنها، وخوض اشتباكات يخشى أن تنزلق الى نزاع أكبر. فقبل أيام، أسقط طيار أميركي طائرة درون إيرانية الصنع أطلقت النيران على مقاتلين تدعمهم أميركا ومستشاري القوات الخاصة الأميركية.

وعين المتحاربين كلهم على محافظة دير الزور، حيث يحاصر «داعش» نحو 200 الف نسمة في منطقة تسيطر عليها الحكومة في عاصمة المحافظة، دير الزور. والمنطقة المتنازع عليها تشمل كذلك مناطق صحراوية الى الجنوب وفيها معابر حدودية وطريق سريع حيوي يربط دمشق وبغداد، وترى إيران أنه طريقها البرية الى لبنان وحليفها «حزب الله».

ولكن هل يقيض للحكومة السورية بسط سيطرتها على سورية الى الحدود الشرقية؟ وهل تبقى الصحراء الممتدة على الحدود السورية العراقية قفراً يسيطر عليه مقاتلون؟ وإذا لم تؤول الأمور الى هذا، من سيهيمن هناك، أهي قوات متحالفة مع إيران، وروسيا أو الولايات المتحدة؟ ويريد الأميركيون الحؤول دون تمدد «هلال شيعي» من إيران الى لبنان، على قول كامل وزنة، الاستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت. ومع تحالف دونالد ترامب مع شركاء عرب، صارت طهران أكثر عزماً على عدم التراجع... وخوض مواجهة نهائية. ونهار الجمعة المنصرم (9 الشهر الجاري)، وجهت قوات موالية للنظام السوري ضربة قاصمة الى المخططات الأميركية، وتقدمت الى الحدود الأميركية لتقطع الطريق على قوات تدعمها واشنطن وتحول دون بلوغها جبهة النزاع مع «داعش» في دير الزور.

ولوحة الاصطفافات تبعث على الدوار: فالتحالف الذي يدعم بشار الأسد يتقدم نحو الشرق من قلب سورية، وعديده البري ميليشيات إيرانية، والجوي سلاح الجو الروسي، ومستشاروه إيرانيون. وتشير بعض التقارير الى انتشار مستشارين روس في ميدان المعارك. ويتجه ثوار سوريون- وهم قاتلوا القوات الحكومية وتدربهم اليوم قوات أميركية وبريطانية ونروجية- على قتال «داعش»، الى الشمال انطلاقاً من الحدود الأردنية. وموقعهم العسكري على مقربة من الحدود الأردنية والعراقية وطريق بغداد السريع، وتدعمهم قوة ائتلاف مكافحة داعش الجوية. وإلى القوات هذه، تدعم أميركا قوات تشن الهجوم على «داعش» في الرقة. وتشير مؤشرات الى أن القوات هذه ستتحاشى مواجهة كبرى في الرقة، وستفسح المجال أمام مقاتلي «داعش» للهرب الى الجنوب. ودار كلام قائد «قوات سورية الديموقراطية» على القتال في دير الزور. وهذه القوات تقودها ميليشيات سورية- كردية أنشأت منطقة كردية شبه مستقلة الى الشمال، وينظر اليها العرب بعين الريبة. وسعى مسؤولون أميركيون الى تخفيف مخاوف العرب بالقول إن نصف قوات «سورية الديموقراطية» من العرب، وأن إدارة المجالس المحلية ستُسلم الى المدنيين. وفي العراق، تقدمت ميليشيات شيعية عراقية إيرانية الولاء الى الغرب نحو الحدود مع سورية.

واحتمال الصدام بين هذه القوى كلها كبير، ووقعت حوادث أثارت مخاوف من مواجهة مباشرة بين أميركا وإيران أو حتى روسيا. وعلى رغم إعلانها أنها لا تسعى الى مواجهة مع قوات الحكومة السورية أو حلفائها، قصفت أميركا ميليشيات إيرانية الولاء، بعد اقترابها من قاعدة التنف. ولكن التحالف الموالي للحكومة لم يتراجع، بل ندد بالمرابطة الأميركية في التنف، وطعن في مشروعيتها، وواصل المواجهات مع القوات المتحالفة مع واشنطن. وحادثة إسقاط الدرون سلطت الضوء على توسل مستشارين إيرانيين او وكلائهم في «حزب الله» بطائرات من دون طيار في سورية. ولكن، الى أي مدى ستواصل موسكو دعم طهران- وهي حليف تكتيكي ولكن غاياتها الاستراتيجية متباينة عن غايات روسيا في عدد من المسائل البارزة الوثيقة الصلة بإسرائيل وأميركا. ويرى جنرالات أميركيون أن روسيا لن تتمادى في دعم إيران. وأعلن وزير الدفاع الأميركي، جايمس ماتيس، أن موسكو سعت الى إقناع القوات التي تدعمها إيران بعدم الاقتراب من القاعدة الأميركية. ولكن ديبلوماسيين في بيروت يرون أن روسيا تدعو حلفاءها الى خلاف ما قاله ماتيس، وأنها لن تحول دون ما يمتحن أميركا في سورية. والسؤال هو هل تغامر واشنطن بحرب من أجل حماية قاعدة صغيرة؟ ويقول ديبلوماسي أن موسكو ترغب في انسحاب القوات التي تدعمها أميركا من المنطقة هذه (التنف).

وتفاقُم التوتر هو مرآة تعاظم الضغوط في المنطقة. فإدارة ترامب التزمت احتواء إيران وصدها. وتقول إسرائيل إنها لن تقبل بمرابطة «حزب الله» على تخومها، وهي قصفت أكثر من مرة قوات موالية للنظام السوري في الجنوب. ومساعي تشديد طوق العزلة على قطر بسبب علاقاتها الوطيدة بإيران تتعاظم. وساهم هجوما «داعش» في طهران في تأجيج الخلافات. وفي هذه الأحوال المضطربة، لا تحتمل تناقضات الحرب على «داعش» في وقت تتنازع القوى المحتشدة ضد التنظيم في ما بينها. وحول دير الزور تحالفات متناقضة، ولن يطول الأمر قبل أن تقع الواقعة. وتتعاون أميركا في العراق تعاوناً غير مباشر مع ميليشيات عراقية تدعمها إيران. ولم يحل التعاون هذا دون إطلاقها النيران على بعض الميليشيات هذه في صحراء جنوب شرقي سورية. وإذا ضربت أميركا «داعش» في دير الزور حيث يحاصر قوات «نظامية»، ساعدت نظام الأسد. والميليشيات الكردية تحاشت الى اليوم مواجهة مباشرة مع القوات الموالية للحكومة والتعاون معهم على حد سواء، مراعاة للعرب. ولكنها قد تضطر الى الاختيار حين تتواجه قواتهما.

 

 

* مراسلة، عن «نيويورك تايمز» الأميركية، 10/6/2017، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة