|   

النسخة: الورقية - دولي

لسوء حظهم الذين يؤمنون بأن مرحلة جديدة تحلّ على العالم فإن بومة منيرفا (الحكمة) كما يقول هيغل لا تحلق إلا في الغسق، أي بعد انقضاء الأحداث ووضوحها، وسيظلون يقرعون الأجراس بلا ملل ولا أمل، فهم يملكون من الوضوح لملاحظة أن أفكاراً وأيديولوجيات وقيماً وثقافات ومؤسسات وأعمالاً وموارد وأنظمة سياسية واجتماعية تنحسر وتمضي إلى الفناء.

هذا ما يجعلهم يملكون إصراراً نبيلاً على قضيتهم لكنهم يدركون أيضاً (يحب أن يدركوا) أن النخب ليست مستعدة للإيمان بفكرة تبدو تضرّ بمكتسباتهم ومصالحهم، فالنخب تعلمت في تراكم تجاربها وخبراتها أن مصالحها تتحول إلى أيديولوجيا راسخة ومتماسكة تموت لأجلها الجماهير. هكذا يظل الإصلاح عملاً يائساً نبيلاً، أو كما تروي أسطورة أوديسا عن أبولو الذي وهب الكساندرا الحكمة لكنه جعل الناس لا يصدقونها.

لكن أسوأ ما في المراحل الانتقالية التي تتبدل فيها الموارد والأفكار، وتتشكل فيها الخبرات والمعارف منقطعة عن الماضي، أن مقتضياتها من العمل والإصلاح لا تجذب المؤيدين، وتجتذب أعداء كثيرين من المتضررين، فيكون لك أعداء وخصوم كثيرون وليس لك أصدقاء! فالأوليغاركيا تنتج الفشل بذكاء كبير، وحين يتعلق الأمر بمصالحها تبدي قدرات متقدمة في استشعار الخطر وتقديره، وإن كانت تدير المصالح والخدمات العامة كما لو أنها مصابة بمتلازمة داون، كما أن الجدل نفسه يشبه مباراة بين فريقين يلعبان لعبتين مختلفتين، فالنخب كرست لتعزيز وحماية أو ضاعها ومكاسبها رواية أيديولوجية وطنية و/ أو دينية، والإصلاح يستمد رؤيته ورسالته من عقلانية اجتماعية وأخلاقية، ولذلك تفضل السلطات والنخب دائماً مؤيدين أو أعداء وخصوماً أيديولوجيين لتكون اللعبة أكثر انسجاماً. فالأيديولوجيا لا تنشأ عن موقف عقلاني والتفكير العقلاني لا ينشئ أيديولوجيا!

الإصلاح يتشكل حول قضايا تبدو من منظور عقلاني أساسية وذات أولوية قصوى، ويقدم فلسفته للعمل والجدل حول استقلال المجتمعات وتمكينها، والعلاقة بين الدين والسلطة والسياسة والثقافة، والدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة، والعلاقة بين المجتمعات والشركات والقطاع الخاص بعامة، والتجمعات السياسية والاجتماعية حول الاحتياجات والبرامج الأساسية، التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والثقافة، والتنظيم المجتمعي للمياه والطاقة، وولاية المجتمعات على الدين والثقافة والرياضة. لكن السلطات والنخب والمعارضات والحراكات والجماعات والأحزاب الجماهيرية تفضل الجدل والتظاهر حول التحرير والوحدة وأستاذية العالم والحلول والانتصارات والأمجاد التاريخية، وأقسى من ذلك كله القدرة المدهشة على إنشاء حالة من الاستعلاء على القضايا والأولويات الرئيسية والاشمئزاز منها، والاعتزاز بالمشاركات الخيالية (لكنها بطولية وعظيمة) في الصراعات الدولية والإقليمية والتصدي للمؤامرات العالمية بعرضها في متعة درامية كما ترويها «بروتوكولات حكماء صهيون».

هكذا يتحول المشهد إلى تفاعل غريب أو جد لمستحيل، فلا يمكن مخاطبة أحد بالحجج العقلية الا إذا كان مستعداً للاستماع والتفكير العقلاني، والخلافات التي مردها إلى مناهج عقلانية محدودة ويسهل إدراتها وتنظيمها، لكن عندما ينشئ الناس مواقف أيديولوجية غير عقلانية فلا يمكن أن يستمعوا الى غير ما يريدون، ولا يملكون تصنيفاً للأفكار والمواقف يسمح بالاختلاف أو الاستماع أو القبول والتعايش.

لكن الشبكية التي عزلت الإصلاحيين وجعلتهم يغردون خارج السرب منحتهم أيضاً فرصاً جميلة ممكنة لــ «التشبيك»، إذ يمكن الشبكة بسهولة أن تتحول إلى الى ساحة منظمة بجهود وتكاليف قليلة للمصالح والجماعات والطبقات والاتجاهات والأفكار والرسالات الصغيرة والكبيرة منها على السواء ... وفي مقدور هذه المجموعات أو الشبكات اليوم أن تسمع صوتها وأن تؤثر في السياسات والمؤسسات والاسواق والافراد باتجاه ما ترغب فيه او تدافع عن التغيير الذي تؤمن به أو تواجه التهديد والضرر الذي يلحق بها لسبب ما...

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available