|   

النسخة: الورقية - دولي

مضى إذاً نصف قرن على حدث كبير بحجم اندحار ثلاثة جيوش عربية أمام ضربة واجتياح إسرائيليين خاطفين. في بضعة أيام يسهل عدّها بأصابع يد واحدة، احتلت الدولة العبرية أراضي عربية شاسعة تفوق مساحتها مساحة فلسطين المحتلة قبل عشرين عاماً فقط على حدث الاندحار، بل حتى قبل الإعلان عن ولادة دولة إسرائيل بقليل. غير أن هذا الحدث يبدو اليوم كأنه لم يحظ بعد بالمكانة الزمنية التي تليق به. بل حتى يمكن الشك في ارتسامه في الوجدان العربي المعاصر كحدث تاريخي يجدر تعقله في منظار وعي ذاتي ونقدي متخفف من الوعظيات الجاهزة والذاهبة في كل اتجاه.

فبالنظر إلى أدبيات استذكار الحدث، يظهر عموماً أن هذا الشيء - الحدث يسميه البعض «الهزيمة» بمقتضى جذرية خلاصية مثقلة بأل التعريف، فيما يسميه البعض الآخر «النكسة» وفق تسمية شاعت آنذاك لمواساة الذات الجريحة وامتصاص المرارة الملتهبة. والحال أن قسماً معتبراً من مقاربات الحدث واستذكاره أو استحضاره المفترض، أغرقه بإسقاطات الحاضر العربي وحرائقه ومتاهة اصطفافات المتصارعين وتنازعهم على ما يعدونه الوصفة الشافية والترياق الواعد بالصحة والعافية المنشودتين. هذا كله من دون أن يرتسم فاعل سياسي يمكن التعويل عليه وعلى استقلاليته واستقرار شرعيته الوطنية والشعبية.

نعلم أنه من الصعب على أي كان أن يتخفف كلياً من أثقال وضع حاضر وشواغله، خصوصاً عندما يكون شديد الاضطراب والتقلّب وحافلاً بالمآسي والآلام ونوازع الثأر والتشفي، كما هي حالنا في هذه الأيام. غير أن حكمة القراءة النقدية تقتضي أن يستقل الحدث بحدثيته وأن يوضع في مداره التاريخي وأن تستوفى قدر الإمكان شروط وقوعه وسياقها التاريخي وتقدير وزن اللاعبين الأساسيين ورهاناتهم. ويستحسن أن نستجمع هذا كله من دون لطميات نائحة ومن دون تسويغات وتبريرات مكابرة.

كان سيكون من اللائق جداً أن تتحول ذكرى هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) إلى مناسبة لتقديم شهادات شخصية يتحدث فيها من كانوا في تلك الفترة شباناً ناشطين وسياسيين ومثقفين عن تلقّيهم كأفراد للحدث وعن مكابدتهم لخريطة المشاعر المتضاربة التي لا بدّ عصفت بهم. فقد يكون هذا مفيداً للأجيال اللاحقة التي ما عادت تعرف من تاريخ مجتمعاتها وتحولاتها الحديثة شيئاً يعتدّ به إلا ما ومن رحم ربّك.

إذا صحّ توصيفنا لا يعود مستغرباً أن تتحول ذكرى الهزيمة إلى مناسبة لتصفية حسابات مع الحاضر. هناك على العموم قراءتان كبيرتان للحدث تفترقان في أمور وتشتركان في أمور أخرى. الأولى، تتسم بالماضوية العقائدية وهي شائعة في بيئات الإسلام السياسي على مختلف تنويعاته. ففي نظر هؤلاء، كل ابتعاد من المثال التأسيسي للكيان والهوية الإسلاميين ومن تطبيق الشريعة وتعاليم السلف الصالح، هو في مثابة ارتداد يقود حكماً إلى الخراب. والحق أن هذه القراءة لا تحتاج أصلاً إلى التعامل مع الهزيمة أو مع ما يعادلها كحدث تاريخي. حاجتها تقتصر على استخدام الحوادث كلها، كبيرها وصغيرها، كشواهد وأمثلة تصلح لاستخلاص العبر الداعية إلى الذوبان في صورة عن ماض أسطوري يعلو على زمن التاريخ ومحدثاته وتحولاته وقوانين اشتغاله.

ومع أن قراءات الإسلاميين للحدث لا تخلو من التنوع والاختلاف، فإن السمة المشتركة بينها تبقى الاستفادة من الحدث لتفريغ المجتمع من أثقال التاريخ. ولهذا سرعان ما يرتطم الإسلاميون بهذه الأثقال المتعلقة بالجغرافيا وبالتنظيم الاجتماعي وتنويعات المنظومة القرابية والعلاقة بين المدن والأرياف. ولا يجدون مخرجاً سوى المزيد من الجذرية والاقتتال أو إجراء تسويات تؤجّل النزاعات.

القراءة الثانية، تفعل العكس تقريباً. فهي تبالغ في مستقبليتها باسم نزعة حداثوية تعتبر الهزيمة نتيجة انحراف عن القيم الأساسية للحداثة في شقيها الليبرالي والاشتراكي. في السنوات التالية على الهزيمة، توافرت شروط لانتعاش حركات أكثر يسارية داخل تشكيلات العروبة السياسية، في نسختيها الشائعتين الناصرية والبعثية، وخارجها بل حتى بإعلان القطيعة معها. في هذا السياق، راحت القضية الفلسطينية وقوى المقاومة المسلحة تجتذب الكثيرين في طول المنطقة وعرضها.

هذا كله تآكل تدريجياً بعد حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973. ومع انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية والتعددية القطبية، تقلصت فرص الفاعلية السياسية وهوامش العمل الوطني المستقل وازدهرت الريعية السياسية والمهنية والثقافية.

في الأدبيات الدائرة اليوم على الهزيمة، يبدو الصوت اليساري والعروبي ضعيفاً أمام القراءة الليبرالية التي لا يخلو بعضها من الالتباس، وأمام القراءة الإسلاموية الأكثر انتشاراً والتي بدورها لا تخلو من الالتباس. تشترك القراءتان في اعتبار الهزيمة حصيلة افتقاد لمرجعية قيمية يكفي اعتناقها والامتثال لتعاليمها كي تنتظم الأمور. لكنهما تفترقان في تعيين الهوية الأصلية لهذه المرجعية. الإسلامويون يجدونها لا في تاريخ العالم الإسلامي وثقافاته بل في صورة مؤسطرة عن قوة الشريعة وسيادتها في زمن التأسيس والتوسع. أما الحداثويون الليبراليون، فيجدونها في الغرب الليبرالي. القراءة الأولى، تجعل الإسلام أسطورة ينبغي على المجتمع أن يلحقها ليتطابق معها، والثانية تجعل الحداثة الغربية أسطورة يمكن انتقاد بعض وجوه تجربتها التاريخية، لكن ينبغي على المجتمع في نهاية المطاف أن يلحقها وإن اقتضى ذلك الانصياع لواقعيتها وسينيكيتها.

ليست الموازنة بين هوية إسلامية أو عربية مقابل هوية غربية ناجزة هي موضوع الوعي التاريخي بل العلاقة بينهما وما يتوظف فيها من رهانات وفرضيات سيطرة أو استقلالية.

في فصل مخصص للحديث عن نهاية الإمبراطوريات غداة الحرب الثانية، رأى المؤرخ الرصين ألبرت حوراني في «تاريخ الشعوب العربية»، أن الخط العام للسياسة البريطانية قام على دعم استقلال العرب ودعم جهودهم من أجل الاتحاد مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية الأساسية عبر عقد اتفاقات ودية، وقام أيضاً على المساهمة في التنمية الاقتصادية واكتساب المهارات التقنية وصولاً إلى اللحظة التي تستطيع فيها الحكومات العربية أن تضطلع بمسؤولية الدفاع عن نفسها.

ويرى حوراني أنّ هذه السياسة كانت تستند إلى فرضيتين: أن تعتبر الحكومات العربية أن مصالحها الكبرى متماثلة مع مصالح بريطانيا العظمى والتحالف الغربي، وأن يكون هناك تطابق بين المصالح البريطانية ونظيرتها الأميركية. غير أنه تبيّن في السنوات التالية، أنّ هاتين الفرضيتين كانتا خاطئتين. يصلح هذا لتصويب المناظرة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة