|   

النسخة: الورقية - دولي

ثورات الربيع العربي أمدت الكثيرين بالأمل في نهضة تقودها الأجيال الجديدة من الشباب العربي. فهؤلاء الشباب الذين فجروا الاحتجاجات في تونس ومصر وسورية وليبيا واليمن وغيرها، وقبلهم شباب ثورة الأرز في لبنان وشباب الانتفاضات الفلسطينية، قدموا صورة جديدة ودينامية لإمكانية الحراك الاحتجاجي في العالم العربي الآسن. وهم أظهروا من الاستقلالية والالتزام والإلمام بوسائل التواصل الاجتماعي الجديدة ما أهلهم للانتفاض على الأنظمة الكابوسية التي سيطرت على بلادهم ومقدراتهم ومستقبلهم. فهم، إضافة الى انتمائهم لزمنهم المعاصر وأدواته، لم يعانوا مثل الأجيال السابقة من الهزائم المتتالية التي منيت بها البلدان العربية منذ خسارة فلسطين عام ١٩٤٨، مما تسبب بانحسار الأمل بالحرية والتقدم والوحدة العربية وحلول اليأس والاستسلام الكئيب مكانها. وهم وصلوا إلى الساحة والبلدان العربية في أزرى أحوالها من تمزق وارتهان للخارج وبطش وترهل وفساد وأنظمة مطلقة، وما كان أمامهم سوى التطلع للخلاص من هذا الواقع المزري إذا كانوا سيحيون حياة كريمة في بلادهم. وقد ساعدهم التواصل مع العالم عبر الانترنت وغيره من وسائل الإعلام على الحلم بهذا الخلاص وتخيله والسعي الى تحقيقه بكل الأدوات المتوافرة لهم.

لهذا ربما نجحت الانتفاضات العربية، الشبابية أصلاً، في برهة من الزمن قصيرة في زحزحة الأنظمة الشمولية عن مواقعها بعدما عجزت أجيال قبلهم عن ذلك. ولهذا أيضاً ربما فشل معظمها في التحول من هبة ناجحة في وجه حاكم غاشم إلى إرساء قواعد أنظمة جديدة في السياسة والاجتماع تحل مكان الأنظمة التي ابتدأت بالتهاوي. فالشباب كانوا فعلاً طامحين إلى حياة أفضل وممتلكين لأدوات الانتفاض في وجه الطغيان من نقد للواقع وتواصل عبر الفضاء الافتراضي، ولكنهم كانوا غير قادرين على تحويل الاحتجاج والانتفاض وإسقاط الطغاة إلى سياسة جديدة، متحررة وواعدة. فهم لم يمتلكوا من وسائل السياسة الكثير مما يتجاوز التعبير عن السخط والاحتجاج على الظلم. وهم لم يعرفوا التفكير الواعي الحر واختيار الانتماء غير المقيد والتنظيم السياسي الهادف. فالأنظمة والمجتمعات ذاتها كانت أفرغت الحياة الاجتماعية من السياسة عبر تطاول الاضطهاد وقضائه على الأحزاب والتنظيمات الشعبية والمدنية والصحافة الحرة والنقد السياسي وكل ما من شأنه إشراك الناس في القرارت الوطنية التي تؤثر في حياتهم واستقلالهم ورفاهيتهم.

جاء جيل شباب القرن الحادي والعشرين إذاً ليجد الفراغ المدني خالياً مما يمكنه أن يتعلم منه ويتقلده في سعيه لحياة أفضل. فن السياسة نفسه كان ألغي من الحياة الاجتماعية العربية نفسها بعد أن استسلمت أجيال النكبات المتلاحقة لحرمانها من السياسة بعد القمع والترويع الشديدين اللذين مارستهما الأنظمة ضدها على مدى أكثر من ثلاثين سنة. بدلاً من الثقافة السياسية التي كان منوطاً بها تنمية حس الانتماء والتفاعل والمشاركة السياسية لدى الجيل الصاعد، وجد الشباب الخوف والترهيب وطغيان الأجهزة الأمنية وتقديس القائد الفرد الملهم وعصبته من خلال التظاهرات المنظمة والتنظيمات الحزبية المسيرة والإعلام المستعبد. وبدلاً من تعلم الحقوق المدنية واحترامها وممارستها وجد الشباب الثقافة الانتهازية التي قايضت التصفيق والتأييد والاستعباد مقابل بعض المنافع المادية والفرص التعليمية والوظيفية. وبدلاً من المساهمة بثقافة العصر التسامحية والمنفتحة على كل التيارات والمعتقدات وجد الشباب أن الاستثناء الوحيد المتاح لهم لرفض تسلط عقيدة عبادة الفرد القائد الملهم هو الثقافة السلفية الدينية، التي سمحت لها الأنظمة بالعمل في المساجد لأسباب تنفيسية، والتي بدلت فكراً إقصائياً بآخر وزعامات متعنتة لا دينية بأخرى مجلببة وملتحية.

ولكن جيل شباب القرن الحادي والعشرين تميز عن سابقيه بامتلاكه ناصية التواصل مع العالم مباشرة وبحرية نسبية لم تكن قط متاحة لمن سبقهم. هكذا تعرف منظمو الحراك الشعبي في الربيع المقصوم على فكرة التعبير عن آرائهم ونشرها والدعوة إليها في المجال العام عبر وسائل التواصل أو بالتنظيم والدعوة. وهكذا تعلم بعضهم الانتفاض والاحتجاج والتظاهر من تجارب سابقيهم في صربيا وأوكرانيا وجورجيا ومن كتابات المنظّر الأميركي جين شارب على رغم انعدام وجودها في واقعهم المعاش كما بين الزعماء الشبان لحركة «السادس من أبريل» في مصر عندما سئلوا عن مصادر تنظيمهم لاحتجاجاتهم مثلاً. وهم كذلك استخدموا هذه الأدوات المتاحة لهم بطرق جريئة ورائعة في توثيق نضالهم ونشره بحيث وصلت نجاحاته ومساراته والصعوبات التي لاقاها الى العالم على رغم تعتيم الأجهزة الرسمية أو كذبها الصريح.

ولكن هؤلاء الناشطين والفاعلين أنفسهم، الذين قادوا الاحتجاجات بطرق مبتكرة وفاعلة، عزفوا عن السياسة عندما جابهتهم بإلحاح وضراوة. هكذا أخبرنا زعماء الحراك في مصر من «السادس من أبريل» وغيرها عندما جالوا في المدن الأميركية لشرح ثورتهم وتبيان دورهم فيها. بل إن واحداً من أكثرهم جرأة وكاريزمية أخبرنا من دون أي مواربة أنه يرى أن دور «السادس من أبريل» يجب أن يقتصر على مراقبة العملية السياسية، أي البقاء في موقع رد الفعل بدل الفعل. ومع أنني لا أعرف الكثير عن الزعامات التي نبعت في الثورة السورية، والتي قادت حراكاً سلمياً رائعاً بنجاح أدى إلى أن يستقصدها النظام بالتصفية إما مباشرة عبر قناصيه أو بالتعذيب في جحوره حتى الموت، إلا أنني كما غيري شاهدت كيف تخبطت القيادات الشابة التي ظهرت في المهجر إلى أن أزاحتها القوى المنظمة، والغارقة لأذنيها في وحل الاستبداد العربي، من مواقع التمثيل والسياسة. ولعل الأمر لا يختلف كثيراً في الدول العربية الأخرى التي شهدت هبات احتجاجية قادها الشباب بحنكة ولكنهم تراجعوا عندما آن أوان التنظيم السياسي وتحديد الأهداف والمناورة والمقايضة للحصول على ما يمكن منها وتغيير الخطط على ضوء المستجدات من دون فقدان رؤية الهدف.

استعادة السياسة كمنظومة اجتماعية أساسية، على رغم تضافر كل القوى التسلطية التي سرقت الثورات وجلبت مكانها ما هو أمرّ مما سبقها وأجهضت كل بارقة تغيير، ضرورة لكل من لا يزال يأمل بنهضة شبابية لا بد من العمل لأجلها. والتنظيم السياسي وإنشاء الأحزاب والجمعيات، مع أنه قد يبدو للبعض «دقّة قديمة»، ما زال واحداً من أنجع أساليب إرساء ثقافة سياسية قادرة على مواجهة سارقي الثورات، حكام بلادنا اليوم.

 

 

* كاتب سوري وأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة