|   

النسخة: الورقية - دولي

يخلف تعاظم وهن الاتحاد الأوروبي أثراً عميقاً في شرق نواة الإمبراطورية الكارولنجية وجنوبها (هولندا وفرنسا وألمانيا) الآفلة. فعلى فالق الإمبراطورية النمساوية - الهنغارية والسلطنة العثمانية الآفلتين، تفتقر الدول الشيوعية السابقة الى طبقة وسطى قوية أو متينة تضاهي نظيرها في قلب أوروبا، وهي، الى اليوم بعد 25 عاماً على حصار ساراييفو، تنشغل بنزاعات اتنية وإقليمية (نزاعات على الأرض والحدود). وفي ليوبليانا، عاصمة سلوفينيا الواقعة بين اوروبا الوسطى والبلقان، يدور كلام المسؤولين والخبراء على ما يسمى شبح حدود أو حدود طيفية تسكن خيال الناس هناك. وهذه الحدود الشبح هي حدود «أنتيمورل كريستيانيتاتيس» (حصن المسيحية) على نحو ما سمى البابا ليو العاشر في 1519، الأراضي الواقعة في الجبهة الأمامية ضد السلطنة العثمانية. وكانت كراوتيا في الخطوط الدفاعية الأولى ضد السلطنة هذه، وتلتها سلوفينيا.

وبلغ الناتج الفردي في 2016 في سلوفينيا 32 الف دولار. وكانت الإمبراطورية النمساوية الهنغارية حكمت السلوفينيين طوال مئات السنين. وتاريخ الكرواتيين يجمع في جزء منه إرث النسماوية الهنغارية الى إرث عثماني وإرث «بندقي» او «فينيسي» (نسبة الى مدينة البندقية)، وناتجهم الفردي بلغ في العام نفسه حوالى 22 الف دولار. وفي دول يوغوسلافيا السابقة، التي كانت في معظمها في ايدي السلطنة الثعمانية، الناتج الفردي ادنى مما هو عليه في سلوفينيا وكراوتيا. ففي مونتينغرو، الناتج المحلي 17 الف دولار، وفي صربيا 14 الف دولار، وفي مقدونيا وكوسوفو والأجزاء العثمانية السابقة من البوسنة الناتج المحلي على هذا القدر من التدني. فالفروق الاقتصادية والاجتماعية الموروثة من الانقسامات الإمبراطورية القديمة، على حالها. وهذه الفروق ليست حتمية عرقية أو اتنية لا مفر منها. فعلى سبيل المثل، يفوق أثر الإمبراطوريات الأجنبية- وهو أثر سياسي واقتصادي- في قوم السلاف في شرق جنوبي اوروبا أثرَ انتمائهم العرقي واللغوي. والأجزاء البيزنطية والعثمانية السابقة في اوروبا- وهي الأقرب الى الشرق الأوسط- هي، الى يومنا هذا، الأفقر، والأضعف استقراراً في القارة الأوروبية. وتمس حاجة الدول هذه الى دعم الاتحاد الأوروبي وتوجيهاته أو ارشاده. ويُكتب مصير القارة الأوروبية، سواء بقيت آمنة ومزدهرة أو تصدعت على حدود الفالق التقليدي بين الشرق والغرب، في البلقان. فأثر التطورات السياسية في باريس وبرلين وبروكسيل يتردد في المنطقة هذه.

ولا يكل الرئيس الروسي، فلادمير بوتين، عن التدخل في وسط اوروبا وشرقها، وفي البلقان على وجه التحديد، ويتوسل هناك بالتخريب على انواعه المختلفة، من ادارة حلقات الجريمة المنظمة وتمويل الحركة الشعبوية القومية وصولاً الى التأثير في وسائل الإعلام المحلية. وعلى رغم ان مونتينغرو على قاب قوسين من الانضمام الى الناتو (انضمت الى الحلف هذا في حزيران- يونيو 2017)، يستوطن البلد هذا أوليغارشيون روس ومجموعات جرمية. وتشير تقارير الى ان روسيا أعدت انقلاباً هناك في العام الماضي، لكن الانقلاب فشل. ويُنظر الى صربيا وبلغاريا على انهما موطئ قدم النفوذ الروسي الإقليمي، على رغم ان النزعات الاستبداية تتعاظم الى الشمال في هنغاريا وبولندا. وسعي الحكومة الهنغارية الى وضع اليد على جامعة «اوروبا الوسطى» في بودابست التي أسسها البليونير الهنغاري – الأميركي، جورج سوروس إثر سقوط جدار برلين، هو حلقة من حلقات هذا التنازع الجغرافي – السياسي.

وصبيحة اليوم التالي على فوز الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان باستفتاء يمنحه صلاحيات شبه مُطلقة، لم يزر ضريح مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، بل ضريح محمد الثاني، الفاتح، وهو السلطان العثماني في القرن الخامس عشر الذي مشت جيوشه نحو الغرب من القسطنطينية الى البوسنة. ويسعى اردوغان الى ملء الفراغ الذي يخلفه افول الاتحاد الأوروبي في بلغاريا ومقدونيا وكوسوفو. وانفلات الأمور على غاربها في مقدونيا، أي غياب الاحتكام الى القانون- ومنه العنف في البرلمان احتجاجاً على حكومة انتقالية- هو مرآة هشاشة جنوب شرقي اوروبا. ولكن القوة اليتيمة القادرة على ارساء استقرار البلقان هي الاتحاد الأوروبي. والسبيل الأوحد الى تذليل الخلافات الإتنية بين الصرب والألبان هو انضمام صربيا وألبانيا وكوسوفو الى الاتحاد هذا. ففي الاتحاد الأوروبي تنتفي حاجة ألبانيا وكوسوفو الى الاتحاد والاندماج. وترى صربيا ان اتحادهما قد يسوغ الحرب أو يشعل فتيلها. والتنافس بين كرواتيا وصربيا على النفوذ في البوسنة – الهرسك يذوي ويتبدد اذا انضمتا الى الاتحاد الأوروبي. فالأخير هو اطار دول غير اتنية تستمد مشروعيتها من الاحتكام الى قوانين غير شخصية، عوض الاحتكام الى فرمانات وأوامر متعسفة.

والحق يقال ان الاتحاد الأوروبي هو امبراطورية الضرورة. فهو مشروع طموح لأنه سعى الى ارساء اتحاد يجمع او يصهر اراضي امبراطوريات قديمة وآفلة من الكارولانجية الى البروسية والهابسبورغية والبيزنطية والعثمانية، على رغم تباين تاريخها (الأراضي هذه) والتباين في نموها الاقتصادي. ويتربع الاتحاد الأوروبي اليوم محل هذه الإمبراطوريات الآفلة. ففي منطقة شنغن المشرعة الحدود، وفيها لا قيد على حركة المواطنين الأوروبيين، يجمع الاتحاد مناطق مترامية الأطراف تحكمها من بعيد بيروقراطية ديموقراطية جزئياً، في وقت يطالب كثر برفع نسبة التمثيل المباشر. وهذه الحال من احوال الإمبراطوريات الآفلة. لذا، تمس الحاجة الى إنقاذ الاتحاد الأوروبي وتحسينه. وزرتُ، اخيراً، المرفأ الكرواتي، رييكا، على مقربة من الحدود السلوفينية والإيطالية، حيث يرفرف علم يحمل صورة نسر مزدوج الرأس، اعلى برج الكنيسة. و»هذا رمز هابسبورغي، وليس رمزاً كراوتياً ولا هنغارياً ولا ايطالياً... والعلم هذا سبق ان نكسه الفاشيون، فهو يرمز الى الحرية والإدارة الذاتية التي تمتعت بها المدينة في عهد سلالة آل هابسبورغ»، على نحو ما فسر لي كاتب ايطالي الإتنية، جياكومو سكوتي. واليوم، يعود الفضل في امكان رفع العلم هذا من جديد الى انضواء كرواتيا الدولة السيدة في الاتحاد الأوروبي، وهي تسعى الى الانضمام الى منطقتي شنغن واليورو. والانتساب الى الاتحاد هذا هو الجسر الى إشهار مشاعر الاعتزاز المحلي. والوقوف عند ما كانت عليه يوغوسلافيا مفيد. فالباحث العظيم من اوروبا الوسطى، كلاوديو ماغريس، يصف تيتو في كتاب ادب الرحلات الملحمي، «الدانوب»، بآخر امبراطوريي آل هابسبورغ. فهو يرى ان ثمة اوجه شبه بينه وبين فرانز جوزيف، ويكتب:»هو (تيتو) يدرك أنه وريث مشروعية عابرة للقوميات الدانوبية». فمثل فرانز جوزيف، شد تيتو أواصر يوغسلافيا بواسطة مزيج من القمع والتسامح، وهو تسامح قياساً على الدول الشيوعية الأخرى. واليوم، لن تجد دول يوغوسلافيا السابقة السلام والأمان إلا حين الاندراج في نظام امبراطوري حميد: الاتحاد الأوروبي.

 

 

* صاحب «أطياف البلقان» و «في فيء أوروبا»، عن «نيويورك تايمز» الأميركية، 5/5/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available