|   

النسخة: الورقية - دولي

يلاحظ منذ أوائل عقد 1980، في الدائرتين الفكريتين الفرنسية والأميركية الشمالية، تواتر التحفظات عن مصطلح حقوق الإنسان. وتعاظم هذا التحفظ في العقد التالي. واتفق هذا مع الدور أو الوقت السياسي الذي شهد انتصار حقوق الإنسان، وتزامن مع سقوط جدار برلين ونهاية الشيوعية، وتبلور نقد جديد لحقوق الإنسان أُغفل في عقد 1970، يوم حالت معارضة الكليانيات (التوتاليتاريات) دون سماع هذا النقد وإعارته الانتباه. وعلى هذا، اقتصر تمتع حقوق الإنسان بنفوذ نظري غير منازع في الأعوام 1980-1995. وأعقبها سريعاً، ما يشبه نظراً فاحصاً صدر عن مفكرين مثل مارسيل غوشيه وبيير مانان، وظهر، في الدائرة الأميركية الشمالية تيار يسمى «الجماعاتية» (Communitarian). وصاغ بعض مفكري «الوطنية المدنية»، مثل مايكل سانديل، نقد الاجتهاد الفقهي القانوني الصادر عن المحكمة العليا في بنية نظرية متماسكة، وحملوا على مجتمع خلافي قصوره عن إقرار أولوية الخير العام، وعن التحكيم العادل في الخلافات.

وخطا رأي مفاده أن لغة الحقوق لم تتفادَ بعض الشطط خطواته الأولى، وأن حقوق الإنسان تنقلب على مزاولة السياسة والمشاركة الوطنية، وتنخر الديموقراطية نفسها. ويعود الارتداد هذا الى أوائل عقد الـ2000. واضطلع التدخل الأميركي في العراق بدور راجح. فهذا التدخل تذرع بخطابة حقوقية إنسانية. وحمل التذرع وجوهاً يسارية وناشطين حقوقيين الى التحفظ عن مصطلح بدا قوي الصلة بمنطق إمبريالي تسلطي. ومع بروز مسألة الهويات والقضايا الجديدة المترتبة على الهجرة، ضعفت الكوابح الأخلاقية والمعيارية. وشاعت على ألسنة السياسيين عبارة «الحقوقية الإنسانية»، في صيغة النسبة، وهي عبارة ابتكرها جان - ماري لوبن، مؤسس حزب «الجبهة القومية»، اليميني المتطرف. وفي الأثناء شاع التشكيك في الاتحاد الأوروبي، ونسب اليه إنكار المصالح الوطنية والتسلط البيروقراطي. وجمع كثيرون بين الاتحاد وبين تصديق نظام قانوني وقضائي يملي الحقوق على أمم تتمتع بالسيادة، على رغم شعوبها.

والخطان البيانيان هذان، الفكري والسياسي، يجعلان من العسير بناء خط دفاع متماسك عن حقوق الإنسان. وبعض المفكرين القلائل، من الذين يقرأون خارج فرنسا، ردوا على مارسيل غوشيه وتشكيكه في دور حقوق الإنسان السياسي. فأوضح إتيين باليبار أنه «من غير سياسة حقوق الإنسان ليست ثمة سياسة ديموقراطية». ويرى باليبار أن حقوق الإنسان تطيح ما يسميه «حدود الدولة الوطنية». وشدد جاك رانسيير، وهو كذلك خص حقوق الإنسان بمعالجة نافذة، ودلل على أن «حقوق الإنسان» هي حقوق الذين لا يتمتعون بحقوقهم، ويملكون حقوقاً لا يحوزونها فعلاً».

وبعضهم يعزو حقوق الإنسان الى موجة الليبرالية الجديدة التي سادت في سبعينات القرن العشرين وثمانيناته. ويغفل أصحاب هذا الرأي عن عداوة الليبراليين الجدد والمحافظين الجدد لحقوق الإنسان. فإيرفينغ كريستول، أحد وجوه الدمج الريغيني» بين المحافظة القومية وبين مذهب هاييك المفرط الليبرالية في السوق، أعلن في 1978 إنكاره على «خليط حقوق الإنسان» وطعنه عليه. ودعا الى اقتصارها على الحد الأدنى: الحق في الهجرة وحظر التعذيب (ويذكر أن هاييك كان أحد أنصار بينوشيه، الديكتاتور التشيلي). وطعن في مثال ديموقراطية الحقوق باسم «الحكومة المقيدة»: فدولة الحد الأدنى (من الدولة وصلاحياتها وسلطاتها) تقتضي حكماً تقليص الحقوق وترجيح كفة السوق وقواعدها. ومقالات المحافظين الجدد أعلت شأن الحق في الانتقال (السفر والهجرة) وأوجبته رداً على الاتحاد السوفياتي وسياسته.

وبعد سقوط جدار برلين، أُثبت هذا الحق لرؤوس الأموال قبل البشر واليد العاملة. وحدست هذه المقالات في فكرة حقوق الإنسان توسيعاً متمادياً للحقوق الاجتماعية، وكان كريستول يرى أنها «عبث في عبث». وماشت الحذرَ والتنديد هذين تهمة شطر «سيئ» من الثورة الفرنسية. ووصفت هذه بأن الإرهاب جوهرها، وذلك جراء نظرتها المرسلة الى حقوق الإنسان، وتركها هذه الحقوق على غاربها، ومن غير إحصاء يحدها عدداً ومضموناً. وقرنت، سلباً، بالثورة الأميركية التي قلل من شأن العنف والرق في مجراها وغاياتها.

وتولى هذا الشق من النقد، والمقارنة بين الثورتين، في فرنسا مؤرخ الثورة الفرنسية البارز يومها، فرنسوا فيريه Furet (في الذكرى المئوية الثانية للثورة في 1989). وذهب الى أن بذور 1793 (حكومة روبسبيير واليعاقبة وإقرار نهج الارهاب) كانت قائمةً في 1789 والجمعية التأسيسية التي أقرت شرعة حقوق الإنسان والمواطن الأولى. ورد جاك رانسيير على احتجاج فيريه، في «كراهية الديموقراطية»، فقال: يُحتج بحقوق الإنسان على الأنظمة الكليانية وضدها، وسرعان ما يُهون شأنها على صعيدين متناقضين: يُنكر على حقوق الإنسان اضطلاعها بالحض على نكران الوطنية المدنية ونكران السياسة- ويراد بها بهذا تبدد روح التضحية وطلب المواطن الموت في سبيل وطنه، من ناحية، ويُطعن عليها تسييس القضايا الاجتماعية، وإجازتها للمواطنين السعي في حقوق باهظة الأكلاف. وتترتب على هذا ضرورة كبح جماح دينامية تتهدد اقتصاد السوق ونظمه «السلمية».

ولا يتميز، في هذا الموضع، نقد «جمهوري» يتناول حقوق الإنسان من وجه «وطني مدني»، من نقد ليبرالي جديد ينشد حسم مسألة «الحوكمة المستحيلة» التي يقال إن المجتمعات الغربية وقعت في شركها جراء تناسل الحركات الاجتماعية. وتخالف هذه المقالات فكر مفكر مثل كلود لوفور، على سبيل المثل، وهو لم يحمل حقوق الإنسان على حقوق «فردية»، بل حملها على حيز علاقات يتخلل العلاقات الاجتماعية ويتغلغل فيها. وهذه المقالات التي تضافرت ضفيرة متماسكة لدواع استراتيجية، في معارضة الكليانية، تفرقت وتناثرت بعد 1989. فحقوق الإنسان نسجت «حقل مشروعية» توسلت به مقالات متباينة المقاصد والغايات. وفجر تلاشي الشيوعية المنازعات المضمرة في إجماع، شطر منه موارب، على حقوق الإنسان. ونزعت الليبرالية الجديدة والمحافظة الى التنصل من هذا الحقل، شأن بعض تيارات «السيادية اليسارية».

ويلاحظ التباسان في مسألة الفردية ونقدها: تلخص حقوق الإنسان في حقوق الفرد أولاً، ويُتناول الفرد على وجه ضيق وفقير، ثانياً. ويغفل عن أن الفردية التي تقضي بانتهاج سياسات اجتماعية تخدم الفرد وتفتح طاقاته، وهذا ما نادى به جان جوريس الزعيم الاشتراكي الفرنسي معظم القرن ألماضي، توارت من الأفق الفكري والسياسي. ومعارضته الاتحاد الأوروبي جزء من نقد الفردية في صيغتها الضامرة والضيقة. فبعض المعارضة يصور أوروبا في صورة أداة تتيح للفرد التحرر من الضوابط الجماعية الناجمة عن الانتماء الى دولة والى وطن.

ولا يخفى على الفهم اضطلاع فكرة القومية بدورين مختلفين: الأول هو رفض الفرد المعرَّف بحقوقه وحدها مجرداً من أي نسب وتراث، والثاني خُواف النسب الأهلي العصبي، وهو الاسم الذي يقصد به، تورية، المسلمون الذين يؤخذ عليهم ضعف فرديتهم وتمسكهم بقومهم ودينهم. والفرد المتخفف من العصبية هو من ينتسب الى الجماعة الوطنية وحدها. وعلى تعريف ريجيس دوبريه، هذه الوطنية «جمهورية». وفي مستطاع دوبريه التنديد بحقوق الإنسان لأنه يراها طوبى تتعالى عن الوطنيات وروابطها، وتدمر «الجمهورية»، وهذه جسد الدولة – الأمة وتراثها الملكي العريق.

وعلى طرفي المجال الفكري والثقافي وقطبية اليسار الراديكالي والمحافظ يجمع نقاد حقوق الإنسان على ربط هذه الحقوق بالمنطق الليبرالي الجديد، وعلى أنها تنهض على قائمتين: حرية السوق من ناحية، والحقوق الفردية/ حقوق الإنسان، من الأخرى. ويصدر هذا الرابط عن خُلف تاريخي: فهاييك كان شديد التحفظ عن إعلان الحقوق، ومثاله هو إدموند بيرك، أول ناقد لإعلان 1789. وانتصار الليبرالية الجديدة للحقوق الفردية يقترن بصيغة فقيرة لحقوق الإنسان تقصرها على حرية الانتقال في سوق، وتحولها الى سلع تشرى وتباع وينزل عنها لقاء ثمن أو سعر. وهذا تخلٍ عن الحقوق الحصينة والمصانة، ونفي لمبدأ الحرية والتمتع بها على أساس المساواة، و «ذهول» عن الحقوق الاجتماعية والمؤاخاة. ويؤدي إلحاق حقوق الإنسان بمجتمع السوق الى إخراس صوتها وخنق مفاعيلها.

وما ينبغي فهمه بحقوق الإنسان، في حسباننا، هو ما سمّاه إتيين باليبار «اقتراح الحرية في المساواة». فهي «اقتراح» لأن حقوق الإنسان هي مبدأ يتماسك به مركب الحريات على أساس المساواة، وليست لائحة حقوق فردية مطلقة لا مناص لها، بهذه الحال، من مناقضة بعضها بعضاً. وهي «حرية في المساواة» («مساحرية» Egaliberte) لأن بين المساواة والحرية عقداً يشد الواحدة الى الأخرى برابطة وثيقة لا فكاك منها، على أن يبقى تأويل الرابطة غير حصري: فـ «المساواة في الحريات» على تأويل ليبرالي، ليس التأويل الوحيد. وعبارة باليبار تذكر بأن حقوق الإنسان تسبق الخلاف بين الليبرالية والاشتراكية، وهما التياران الفكريان المولودان مباشرة في أعقاب إعلان الحقوق. وقد يصح القول إن المطارحة الكثيرة الوجوه بين الاشتراكيين والليبراليين كانت فاتحتها الجملة الثانية من المادة الأولى من إعلان 1789: «لا يجوز إرساء الفروق الاجتماعية على غير المنفعة العمومية». وتقود هذه الحملة الى بابوف (داعية المساواة الشعبية المطلقة) والى راولز (منظر الليبرالية الاجتماعية الأميركية المعاصر معاً).

 

 

* تباعاً، أستاذة النظرية السياسية في جامعة بروكسيل الحرة، وأستاذ النظرية السياسية في الجامعة نفسها، عن «إسبري» الفرنسية، 6/2017، إعداد م. ن.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة