|   

النسخة: الورقية - دولي

اللقاء الرئاسي الأول بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين مخيب. فهو سلط الضوء على تباين آراء الرئيسين الأميركي والروسي في مسائل كثيرة. وترامب شأن بوتين لم يسع إلى مساومات فعلية. وعلى رغم أن توقع اتفاقهما على رؤية استراتيجية إلى العلاقات الروسية– الأميركية المستقبلية يجافي المنطق، إلا أنه كان في وسع بوتين وترامب الاتفاق، على أقل تقدير، على إطار مفاوضات أو موعد لقاء مقبل في تشرين الثاني (نوفمبر) في قمة آيبك الاقتصادية السنوية. ولكن الاتفاق تمخض عن فأر: اتفاق محلي لوقف إطلاق النار في جبهة ثانوية في جنوب غربي سورية. ولكن الاتفاق هذا يستند إلى حسن نيات مَن لم يشاركوا فيه، ومنهم الرئيس السوري، بشار الأسد، وإيران. ويرجح أنهما سينتهكان وقف إطلاق النار، فهو يخالف مصالحهما. واحتفى بوتين بوقف إطلاق النار، ولكن عدداً من الاتفاقات المماثلة أبرمت في السنة الماضية ولم تقيض لها الحياة أكثر من شهر.

والأمور في أوكرانيا على حالها. وموسكو تزعم أن تعيين مبعوث أميركي خاص هناك هو «اختراق» أو تقدم كبير، وترى أنه علامة على إقرار واشنطن بأن مسألة أوكرانيا ثنائية (بين القطبين الدوليين) وأن بتّها بيد ترامب وبوتين. ولكن هذا التعيين لا يكتب مصير أوكرانيا في معزل عنها على نحو ما تشتهي موسكو. والمبعوث الأميركي الجديد، كورت فولكر، هو من صقور السياسة الأميركية المعارضين للتدخل الروسي في أوكرانيا. ولم ينجم عن اللقاء أي تقدم في مسألة كوريا الشمالية. فموسكو وبكين ترغبان في صدوع واشنطن بكوريا الشمالية النووية وقدرتها على ردع الهجمات الأميركية. وترى موسكو أن البرامج الكورية الشمالية النووية والصاروخية تساهم في تقييد القوة الأميركية الشاملة. والعاصمة الأميركية أمام خيارين لاحتواء كوريا الشمالية: نشر دفاعات صاروخية في آسيا وفرض عقوبات على الشركات العاملة في هذا البلد. وشاغل موسكو عرقلة السعي الأميركي هذا.

ولم تذلل مآزق العلاقات الأميركية– الأميركية التي بلغت طريقاً مسدوداً في مسألة التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية والأمن الديبلوماسي والعقوبات. ولم يجدد بوتين ولا ترامب التزام مقتضيات معاهدة «ستارت» الجديدة التي ينتهي العمل بها في 2021، ولا اتفاق الصواريخ المتوسطة المدى أو الوسيطة، وهي ركن الأمن الاوروبي. وأعلن بوتين أن كفته غلبت في مسألة لا يستخف بها: إعلان ترامب أنه يتوق إلى نسيان الخلاف على التدخل الروسي في الانتخابات من دون أن تتكبد موسكو ثمناً غالياً. وسارع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى تسويق أن ترامب يصدق تأكيد الكرملين أن روسيا لم تتدخل في الانتخابات. وتصريحاته لن تمر مرور الكرام في الكونغرس الأميركي، وقد ترجح كفة فرض عقوبات على موسكو جزاء تدخلها في الانتخابات. واتفاق إنشاء وحدة مشتركة لحفظ الأمن السيبيري (السيبيرنيطيقي) لا يذلل المشكلة. وخسر بوتين أمام ترامب. فهو أخفق في حمله على الإفراج عن الممتلكات الديبلوماسية الروسية في أميركا.

ولقاء بوتين وترامب هو لقاء خصمين استراتيجيين، ولكن الحوار أو اللقاء ليس غاية السياسة بل وسيلة إلى التوصل إلى حلول. وهذه تقتضي تنازلات لا يستخف بها في ميزان مصالح الطرفين. ويبدو أن العلاقات الروسية– الأميركية ستبقى علاقة خصومة وتنافس. وقد تخفف موسكو نبرة رسائلها الإعلامية وحملتها على أميركا، وقد تتوقف عن اتهام واشنطن بتحريض الارهابيين في سورية. وتحسن العلاقات فعلياً هو رهن تعديل سياسات الكرملين أو قلب موقفها رأساً على عقب من مسألتي أوكرانيا وكوريا الشمالية.

 

 

* محلل، عن «موسكو تايمز» الروسي، 9/7/2017، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available