|   

النسخة: الورقية - دولي

يحكم تركيا سياسي أسير الخوف، وسياساته القمعية والتهديدية والمشاكسة في السياسة الداخلية كما في السياسة الخارجية، أحكمت طوق العزلة عليه في كثير من المحافل الدولية. ويحسِب الرئيس، رجب طيب أردوغان، أن القوى الخارجية تتعاون مع الداخل التركي من أجل الانقلاب عليه والإطاحة به، وساهم في تغذية هذا الخوف والقلق ألاعيب قذرة قامت وتقوم بها جماعة فتح الله غولن الى اليوم، كما يؤجج خوفه مصير قيادات وزعماء دول مثل العراق وليبيا ومصر. فهو يسأل في قرارة نفسه «هل جاء الدور علي؟ هل النظام العالمي سيستهدف تركيا بعد الربيع العربي؟»

لست من الذين يقولون إن هذه المخاوف كلها من بنات الخيال، لكن سياسات أردوغان تساهم في تيسير عمل المتربصين به. وهو يرى ان أصغر اعتراض على تصرفاته أو أصغر تظاهرة ضده، هي بداية خطة سرية خبيثة ضده. لذا، ينفث على العالم تصريحات غاضبة ويتوسل بالقمع. وعلى رغم أن تركيا تعاني مشاكل اقتصادية وسياسية، وتقيد استقلال القضاء، وتقمع الحريات والصحافة، أعتقد أن أكبر مشاكلها اليوم هو هذا الخوف الذي يتلبس بأردوغان. فينزلق الى مزيد من الأخطاء. وكلما حسِب أنه يخطو خطوة تطيح اسباب هذا الخوف، يخطو نحو تيسير مطامع الذين يخاف منهم. ففي السياسة الداخلية يزداد قمعاً وتعنتاً، وينفخ في الاحتجاج على سياساته. وفي الخارج نلقى سياسة خارجية تركية متخبطة الآراء تترافق مع تصريحات نارية ضد جميع السياسيين والدول. فأردوغان يرى ان العالم كله يكن له العداوة ويريد إطاحته. ويذكرني عهد الرئيس التركي اليوم بعهد الوصاية العسكرية التي جعلت من تركيا بلداً لا يطاق، ويصعب العيش فيه على وقع سياسات قمعية تذرعت بأن «الغرب يريد تقسيم تركيا». واليوم، نحن امام استقطاب خطير وقاتل في الشارع التركي، فنصفه يؤيد أردوغان ويريد ان يبقى في الحكم مهما كانت العواقب والسياسات والتبعات ونصفه الثاني يعارضه ويريد التخلص منه مهما كان الثمن وكانت العواقب. وأي محاولة لإسقاط أردوغان من طريق تدخل أو ضغط خارجي، ستدفع بأردوغان الى إحراق تركيا وتدميرها. فهو يرى انه وتركيا واحد، وأن انتقاده هو انتقاد لتركيا، وأي ضرر سيأتيه من الخارج هو ضرر لابد أن يصيب تركيا كلها. لكن الحق يقال إن أردوغان عاجز عن أن يكون تركيا، أي أن يمثل شعبها كله. فهو يمثل نصف الشعب هذا فحسب، ويعادي الأتراك غير المؤيدين له. وبقاء أردوغان في الحكم والسلطة مهما كانت التداعيات يودي بتركيا إلى مصير سورية جديدة أو عراق صدام حسين جديد. ولكن السعي الى رحيله وتنحيه مهما كان الثمن سيحولها إلى ليبيا جديدة أو سورية جديدة. ولا يخدم مصلحة الأتراك التخلص من أردوغان من طريق تدخل خارجي. وعلينا أن نقف موقفاً حازماً في وجه القوى الخارجية التي تريد العبث بأمن تركيا بذريعة التخلص من أردوغان، وأن نواجهه (أردوغان) وأن نبلغه أنه لا يمثل تركيا وأن نصف الشعب مستاء من سياساته ويرفضها.

وتخلى اليوم كثيرون ممن كانوا رفاق درب أردوغان عنه بسبب سياساته، ولم يبقَ إلى جانبه الا متملق لا يستطيع العيش في حال رحيله، وهؤلاء المتملقون يدفعون به إلى الهاوية بأيديهم حين يصفقون لكل قراراته وتصريحاته. لا يمكننا أن نستسلم لسياسات أردوغان، ولكن يجب أن نلتزم حذراً أكبر وألا ننقاد وراء تدخل خارجي قد يحيل تركيا إلى بلد تتعذر الحياة فيه أو تحرقه أتون حرب أهلية. ومع الأسف لم يبقِ أردوغان على صديق صدوق يقف إلى جانبه ويخلصه من هذا الخوف الذي يأسره ويهدد مستقبل تركيا وأمنها.

 

 

* كاتب، عن «ديكان» التركية، 3/7/2017،

إعداد يوسف الشريف

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة