|   

النسخة: الورقية - دولي

تشهد اليابان في الوقت الراهن تطورات جذبت الاهتمام الغربي والعالمي، وإن بدت في معظمها تدور في إطار تحولات داخلية، في الأساس تشريعية وسياسية، فإنها لم تخل من انعكاسات ذات أبعاد خارجية ومن تفاعلات مع متغيرات في البيئة المحيطة دولياً بهذه الدولة المهمة في عالمنا، وذات العلاقات التاريخية والثقافية، ثم الاقتصادية، الطويلة والمهمة، مع بلداننا العربية والأقاليم المحيطة التي ننتمي إليها آسيوياً وإفريقياً وإسلامياً وشرق أوسطياً. كذلك فإن هذه التطورات، وإن كانت منقطعة الصلة من الجانبين المؤسسي والقانوني في ما بينها، فهي متصلة بما يتعلق بـ «الروح» أو «الفلسفة» الكامنة وراء بعضها أو أغلبها.

وأول هذه التحولات هو تمرير «الدايت» (البرلمان الياباني) منذ أسابيع قليلة مشروع قانون يسمح للإمبراطور بالتنازل عن العرش خلال حياته، وذلك للمرة الأولى في تاريخ النظام الإمبراطوري الياباني الذي يرتبط عضوياً وتاريخياً بوجود اليابان ذاتها. ولكي ندرك دلالات هذا التحول يتعين علينا أن نتفهم حقيقة أن الشعب الياباني، أو على الأقل قطاعات عريضة منه، لا تزال ترى أن الإمبراطور هو من نسل الآلهة وتتعامل معه بقدر كبير من التبجيل، بل والتقديس أحياناً. وبالتالي فإن الحديث عن إمكانية أو حق الإمبراطور في التنازل عن العرش، هو بالتأكيد بمثابة ثورة فكرية في الثقافة الشعبية اليابانية، أياً كانت الدوافع أو الأسباب لدى أطراف مختلفة والتي دفعت إلى تبني البرلمان هذا القانون، والذي يحتمل أن يكون لدى البعض ناتجاً من تراجع الحالة الصحية للإمبراطور الحالي «أكيهيتو»، والذي تولى العرش في عام 1989، خصوصاً على مدار السنوات القليلة الماضية وعدم قدرته الصحية على أداء بعض الواجبات المنوطة به طبقاً للدستور أو أدائها بقدر، ربما يكون متزايداً، من الصعوبة. كذلك فإن علينا ألا ننسى أن اليابان على رغم الهزيمة على أيدي الأميركيين وحلفائهم في نهاية الحرب العالمية الثانية، رفضت بإباء، وبشبه إجماع في صفوف الشعب والنخبة على حد سواء، إلغاء الإمبراطورية أو حتى تنازل الإمبراطور الراحل هيروهيتو عن الحكم وقتها وصمدت في وجه ضغوط أميركية وغربية كبيرة دفعت في ذلك الاتجاه.

كما أن للقرار المذكور للبرلمان الياباني دلالة أخرى محتملة، فهو يذكرنا بحديث دار منذ سنوات، وخفُت أحياناً ولكنه لم يذهب أدراج الرياح، في شأن دعوة البعض لإصدار تشريع جديد يخرج ولاية العهد، ومن ثم تولي منصب الإمبراطور، من الاقتصار على الذكور في سلالة الأسرة الإمبراطورية ليشمل الإناث. وهو ما اعتبر أيضاً ثورة فكرية، على خلفية أن ولي العهد الحالي ناروهيتو لديه ابنة واحدة فقط، ولتقلص عدد أعضاء الأسرة الإمبراطورية بعامة نظراً لخروج الكثير من الإناث منها في ضوء زواجهم برجال من خارج الأسرة، وإن كان الحديث قد تأجل وقتها في ضوء أن الأمر اعتبره البعض مهماً فقط على المدى الطويل وليس في المستقبل المنظور.

وتقودنا هذه النقطة إلى التطور الثاني، ألا وهو فوز الحزب الذي تقوده يوريكو كويكي، محافظ طوكيو منذ آب (أغسطس) 2016، في سابقة تاريخية. وهي تقود حزب «المجموعة الأولى من مواطني طوكيو»، الذي أسسته بعد استقالتها من الحزب الليبرالي الديموقراطي في الأول من حزيران (يونيو) الماضي، وفاز في انتخابات مجلس مدينة طوكيو مطلع تموز (يوليو) الجاري.

وتحقق هذا الفوز لحزب كويكي بعد عام واحد فقط من فوزها هي شخصياً بمنصب محافظ طوكيو، بعد ترشحها ضد مرشح الحزب الليبرالي الديموقراطي. وقد عزَّز ذلك فرص كويكي في احتمال توليها رئاسة الحكومة عام 2021، الذي تنتهي فيه الولاية الثالثة والأخيرة لرئيس الحكومة الحالي آبي. ووصلت نسبة مؤيدي كويكي ضمن سكان طوكيو في استفتاء للرأي أجري في حزيران (يونيو) 2017 إلى 69 في المئة، خصوصاً أنها بدأت في المعالجة الجريئة للكثير من المشكلات المزمنة التي تعاني منها العاصمة اليابانية. وسبق أن تولت كويكي حقيبة البيئة في الحكومة اليابانية؛ ما أهلها لإيجاد أنجع المناهج للتعامل مع قضية التلوث وتداعيات تغير المناخ على العاصمة اليابانية وأنماط الحياة والنشاطات الاقتصادية فيها. وتبنت كويكي برنامجاً يتمحور حول «الحكم الرشيد» ومكافحة الفساد، وهي دعوة جاذبة للدعم من سكان العاصمة اليابانية وعددهم 14 مليون نسمة، في ضوء أن المحافظين السابقين عليها طاولتهم فضائح مرتبطة بالفساد.

وأثبت العام المنصرم أن هناك حالة رضى واسعة، خصوصاً على مستوى أهل طوكيو، من أسلوب قيادة السيدة كويكي لجهد الإعداد للأولمبياد وتنظيمها، وهي حالة تضاف إلى حالة الرضى عن قرارها بتأجيل نقل سوق السمك التاريخي في طوكيو من مكانه الموجود فيه منذ ثمانين عاماً تقريباً، حيث تعاملت بحسم وصرامة مع التحديات والمشكلات التي تعتري طريق اليابان في الإعداد الجيد لتنظيم الأولمبياد. وهي حالة رضى ظهرت نتائجها واضحة في الفوز الكبير الذي حققه حزب كويكي في انتخابات مجلس مدينة طوكيو في الأسبوع الأول من تموز (يوليو) الجاري. وأدرك مواطنو طوكيو أن نجاح الأولمبياد يتطلب شخصية قوية وحازمة، وهو ما يتوافر بالتأكيد في السيدة كويكي صاحبة النزعة الوطنية والمحافظة في الوقت ذاته في توجهاتها الفكرية السياسية، ولكنها أيضاً صاحبة الإنجازات في مواقع سابقة، والتي تثبت قدرتها على القيادة والتخطيط والتنفيذ على الأرض في شكل عملي وبراغماتي، وهي خصائص كلها تكسبها القدرة على النجاح، ومن ثم المزيد من الشعبية بين سكان طوكيو خصوصاً واليابان عموماً، وبخاصة في ظل تقاعس حدث في السابق في تطوير البنية الأساسية للعاصمة حتى تكون مؤهلة لاستيعاب حدث استضافة الأولمبياد الضخم ومتطلباته، وكذلك عدم الانتباه إلى ضرورة مراعاة البعد البيئي حتى لا يتحول التحضير للأولمبياد وما يصاحبه من عمليات بناء وتشييد واسعة إلى «كابوس» بيئي، أسوة بما حدث في السابق في حالة دول أخرى استضافت الأولمبياد. وسيبقى التحدي الأكبر للسيدة كويكي في الحفاظ على شعبيتها العريضة في طوكيو، بل والإضافة إليها، وتوسيع نطاقها إلى اليابان ككل، هو مدى النجاح في إدارة عملية الإعداد لأولمبياد 2020 وتنظيمها وإدارتها، وهي مهمة ثقيلة وعبء لا يستهان به.

وهكذا نرى الصلة في ما بين التطورات الثلاثة السابق الإشارة إليها، فكلها تنم عن تباشير مرحلة جديدة من مراحل التحديث الذي اعتاد الشعب الياباني على القيام به من فترة إلى أخرى، منذ ثورة «الميجي» في عام 1868، وهو هنا يمس في العديد من معالمه بعض جوانب النظام الإمبراطوري، وكذلك دور المرأة في المجتمع الياباني، وتفاعل اليابان مع محيطها العالمي، ساعياً للإثبات من جديد للعالم بأسره جدارة اليابان بما وصلت إليه وبكونها الدولة النموذج والمثل للكثير من دول العالم، وليس في آسيا فقط، وتفردها كحالة تميز وإبهار كشعب ومجتمع ودولة وحضارة وثقافة.

 

 

* كاتب مصري.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available