|   

النسخة: الورقية - دولي

بدا الفكر العربي المعاصر منذ النصف الثاني من القرن الماضي رهين أسئلة إشكالية لم يفلح في الخروج من دائرتها أو التحرر من وطأتها، من سؤال المواطنة والقومية الى سؤال الدين والدولة الى سؤال الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. إلا أن السؤال المركزي الذي يؤطر كل تلك الأسئلة يبقى في رأينا سؤال «التاريخ». فما معنى التاريخ في فكرنا الايديولوجي؟ كيف يتجه؟ ما هي العوامل الفاعلة فيه؟ هل هي الدين أو العصبية أو الفكر أو صراع الطبقات، وهل هو يعمل وفق نظام ذاتي من داخله ام بقوى من خارجه وبنظام متعالٍ عليه؟ هل هو خاضع لحتميات اقتصادية او سوسيولوجية او جغرافية او ثقافية او ميتافيزيقية، ام انه يخضع للمصادفة والمفاجأة والانقلاب؟ هل هو سكون وثبات وتكرار أبدي أم هو تطور وتحول وضرورة؟ هل هو يجري نحو نهايات محدودة ام يتحكم به العبث واللاتوقع؟ هل هو يتكفل بالقضايا الايديولوجية الكبرى كالاشتراكية والوحدة القومية والديموقراطية أم أن هذه رهن بتطلعات البشر وأحلامهم ونضالاتهم وليس بمشيئة التاريخ وتوجهاته؟

ازاء الأسئلة الإشكالية هذه، نجد في الفكر العربي المعاصر اختلافات جذرية وتصورات متناقضة. فطوراً يبدو التاريخ سرداً للأحداث والأخبار وتارة يعتبر كمجموع العلاقات المختلفة التي يدخل فيها البشر بعضهم مع بعض في علاقاتهم بالعالم. ثمة من يعزو حركة التاريخ الى نظام متعالٍ وثمة من يريد تطهير طريق العلم من ادعاءات أي لاهوت أو أي أخلاق يريدان إملاء قوانينهما عليه. هناك من يريد تفسير التاريخ من داخله وهناك من يلجأ الى مبادئ مفارقة وعلل متعالية. بعض ايديولوجياتنا يرى في الاقتصاد العامل الحاسم في سيرورة التاريخ، اذ بالاقتصاد من هذا المنظور تفسر الصراعات السياسية والاجتماعية والفكرية، وبه وعليه تتأسس الوحدة القومية المرتجاة. بعضها يرى في الدين والثقافة المشتركة عوامل تاريخية مؤسسة للوحدة، وبعضها يذهب الى أسباب كامنة في الطبيعة الجغرافية للعالم العربي او الى سمات خاصة بالعقل العربي او الى التركيبة القبلية او الإثنية او الطائفية ليلفي استعصاء الوحدة في حركة التاريخ وتراجعاته وانتكاساته وارتداداته.

في الفكر العربي من يتصور أن التاريخ يجري نحو أهداف محددة تنتهي بها رسالته المنتدبة. فالاشتراكيون يتصورون نهاية اشتراكية للتاريخ، والقوميون يرون له مآلاً وحدوياً، والليبراليون مآلاً ليبرالياً، والإسلاميون لا يجدون لسيرورة التاريخ إلا مآلاً إسلامياً يحقق طوبى الدولة الإسلامية الموعودة، والتنويريون يستمرون على اعتقادهم أن التاريخ يمضي الى الأمام في خط صاعد ليحقق السعادة والعدالة والخير للبشر أجمعين. وهكذا ألقيت على التاريخ كل مهمات التقدم والتراجع، وكل الوعود الايديولوجية على تناقضها وطوبويتها، ورحنا ننتظر خير التاريخ أو شره. بعضنا يعيشه حاضراً أبدياً، وبعضنا ينتظر أن يحمل لنا في جيبه الاشتراكية او الوحدة العربية وتحرير فلسطين او الحرية والديموقراطية والخلاص من الاستبداد وأنظمته المؤبدة. لكن التاريخ الذي انتظرناه وننتظره لم ولا يحمل لنا شيئاً سوى خيباتنا المتتالية، ولم ولن يتكفل لنا بشيء. وعندما ندرك اننا نحن من يصنعه، وان المهمات التي أوكلناها اليه، هي مهماتنا لا مهماته، عندها نفلت من أوهامه التي راهنّا عليها طويلاً لنبدأ تاريخاً جديداً من صنعنا لا من صنع أوهامنا وتصوراتنا، وعندها فقط نندرج في راهن الحضارة الانسانية ومستقبلها عوض أن نبقى حيارى خائبين ننتظر مستحيلاً لن يأتي أبداً.

 

 

* كاتب لبناني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة