|   

النسخة: الورقية - دولي

كنت في سن الخامسة عشرة، حين وضعتني المصادفة أمام كتب عن معركة كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين. أذكر أنني قرأت في ذلك الوقت «تحت راية القرآن» لمصطفى صادق الرافعي، و «الشهاب الراصد» لمحمد لطفي جمعة، وقرأت كذلك لشكيب أرسلان ومحمد فريد أبوحديد. انتبهت مبكراً إلى شيء مهم وهو أن ذلك حدث بعد ثورة 1919 العظيمة. وهي الثورة التي فتحت باب الليبرالية واسعاً في مصر على رغم وجود الاستعمار البريطاني والحكم الملكي, وأن ذلك أحد مظاهر النهضة المصرية. على رغم أن حجم الاختلاف مع طه حسين كان كبيراً وصل إلى التحقيق القضائي معه. لكن المحقق العظيم محمد نور لم يصدر أمراً بحبس طه حسين ولا تحويله على المحاكمة واعتبر الأمر اجتهاداً، وبحثاً علمياً جاداً. انتهيت إلى أن المعارك الثقافية ليست شئياً منفصلاً عن النهضة المصرية، وأن الجديد في الآداب والفنون يمشي جنباً إلى جنب مع الجديد في الحياة ومساحة الحريات المطلوبة، ولا يمكن فصل هذه المعارك عن التطور في المجتمع. أعدتُ قراءة ما استطعت أن أصل إليه عن معركة مدرسة الديوان وأقطابها العقاد والمازني وعبدالرحمن شكري مع أحمد شوقي وحافظ إبراهيم. ومشيت في القراءة؛ فقرأت عن مدرسة أبوللو، ثم الشعر الحر الذي عارضه أقطاب التغيير القدامى مثل العقاد، وتذكرت كلمة لينين الشهيرة أنه لا ثورة بعد سن الأربعين.

وهي طبعاً ليست كلمة جامعة مانعة، فهناك ثوار فوق الستين. ومشيت بحكم الوجود في الحياة الأدبية مع معركة «الفن للفن، أم الفن للمجتع؟» ومن أقطابها محمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس. ومشيت إلى معركة كتاب الستينات حول القصة القصيرة الجديدة في مواجهة القصة التقليدية. وعلى رغم وجود مقدمات كبيرة لها عند يحيى حقي والمدرسة الحديثة في القصة القصيرة وما كتبه يوسف الشاروني ويوسف إدريس وإدوار الخراط؛ إلا إنها بدت لمن لا يعرف معركة جديدة. ثم ظهرت على السطح معركة شعراء السبعينات، ثم قصيدة النثر التي وقف أمامها أيضاً شعراء تفعيلة ثاروا من قبل على الشعر العمودي. لكن في الأحوال كافة، كان الظاهر من المعارك هو التقدم إلى الأمام كما يحاول المجتمع أن يتقدم في نواحيه الأخرى. كانت هذه المعارك كاشفة في مفرداتها عن ثقافة حقيقية لكل المجددين ومواهب كبيرة وعن ثقافة أيضاً للمقاومين وإن تخطاها الزمن. لم ألاحظ في إطار متابعتي هذه المعارك إلا نادراً الدخول في المسائل الشخصية. والحقيقة أن المعارك الأولى تمت في الفترة الليبرالية قبل تموز (يوليو) 1952.

وحتى المعارك التي حدثت بعدها مثل الفن للمجتمع فقد قام بها كتاب ومفكرون تعلموا في الفترة الليبرالية وانحازوا للطبقات الاجتماعية الأكثر فقراً، لكن أسلوب تعاملهم مع الآخر قام على احترامه، وهو مظهر أساسي موروث من الحقبة الليبرالية. والذين قادوا معركة القصة القصيرة في الستينات كان فيهم القليل ممن تعلم في الفترة الملكية والباقون تعلموا في الخمسينات حيث كانت المدارس لا يزال معلموها من الذين تعــــلموا في الفترة الملكية. بل كان نظام التعليم نفسه لايزال يحتفظ بالطابع الثقافي للتعليم في المدرسة إلى جوار أنواع الرياضة البدنية المختلفة وجماعات للموسيقى والشعر والغناء والرسم والمسرح وأحياناً السينما.

في السبعينات بدأ الغمز واللمز في الحياة الشخصية للخصوم؛ لأن الدولة كانت وضعت يدها على الثقافة والإعلام، ومن ثم كان اختيار أي مسؤول لا بد أن يكون سببه أو أحد أسبابه رضى الدولة. في الخمسينات والستينات وحتى السبعينات لم يكن أمام الدولة غير مَن تعلموا في الفترة الليبرالية لكنهم مع الوقت صاروا قلة هم الذين كان معيارهم في العمل الموهبة والثقافة الحقيقية لمن يتعاملون معهم, وليس الولاء لهم، وبانتهائهم بدأ النقد الشخصي، لكن كانت المقاهي هي مكان النميمة والاتهامات الشخصية.

لا أذكر منذ التسعينات أنني قرأت شيئاً عن معركة فنية أو أدبية بقدر ما قرأت هجوماً شخصياً على المسؤولين واعتبار كل من يقترب منهم إما أنه انتهازي أو «أمنجي» أو وصولي. وعلى رغم صحة ذلك في بعض الأحيان، إلا أن ما يعنيني هو اختفاء المعارك الثقافية الحقيقية. مع الألفية الجديدة وظهور فايسبوك ومواقع الفضاء الافتراضي، صارت الفرصة كبيرة لهذا الكلام الشخصي. أتابعها بدأب للأسف وأسأل نفسي: الناس هنا أبرياء، فمن الذي يصنع الشر في هذا العالم؟ وعلى رغم اتساع مساحة الوجود الأدبي عبر دور النشر الخاصة، لايزال قطاع كبير من الكتاب يتصورون أن الثقافة هي وزارة الثقافة التي أنا أحد المطالبين بإلغائها منذ زمن بعيد، لسبب كرَّرتُه كثيراً وهو أنها ظهرت في إطار نظام شمولي تفكَّك الآن إلى دولة تدعي أنها دولة المشروع الحر. ومن ثم يجب أن تعود الثقافة إلى المثقفين وليس إلى الموظفين ويمكن أن تكون هناك وزراة دولة للثقافة توزع الدعم المالي على المجتمع الثقافي الأهلي في تجلياته الكثيرة.

ويكون المعيار هو الموهبة لمن يطلب الدعم، أو القيمة لما يراد دعمه، ويمكن بيع كل ممتلكاتها إلى المثقفين بحق الانتفاع شرط أن لا يتخلصوا من الموظفين إلا في شكل تلقائي مع الزمن. فسيكون على رأس كل قصر ثقافة أو إدارة نشر مثقف أو كاتب يعرف كيف يحول المكان إلى خلية ثقافية لا تهدأ كما يفعل القطاع الخاص؛ من دون الرجوع إلى مسؤول غيره. كما ستنتهي القبضة الأمنية على هيئات ومؤسسات الوزارة ويظل لها فقط منح الجوائز الأدبية، وإدارة دار الكتب والوثائق، ودار الأوبرا. لكن طبعاً لن يفعل أحد ذلك، فالدولة التي تدعي «المشروع الحر»، لاتزال تحكم قبضتها على كل شيء؛ حتى الاستثمار، وهذا سر التناقض في نظام الحكم المصري الذي لا يأتي إلا بالفشل للأسف. ما علينا. أعود إلى غياب القضايا الثقافية الحقيقية الذي أُضيفَ إليه سبب جديد هو ترهل وزارة الثقافة.

كنتُ أتصور أنه بعد ثورة كبيرة مثل ثورة كانون الثاني (يناير) ستظهر قضية جديدة تعيد الحديث عن أشكال مبتكرة للإبداع، لكن هذا لم يحدث للأسف. وكنتُ أتصور أن الشباب هم الأولى بهذه المعركة؛ لكنها حتى الآن لا تزيد عن شتائم في الأجيال السابقة باعتبار أنهم يستحوذون على كل شيء. وأنا أرى بعيني والله أن معظمهم مات أو توقف أو مريض أو ينشر أعماله بعيداً من الوزارة. ولقد ساعدت الميديا للأسف على مثل تلك الآراء المتسرعة. أيتها الميديا كم من العبث يُرتكب باسمك. وأيتها الوزارة؛ إلغاؤك يعني عصراً جديداً يبدو إنه لا يأتي. أيها الكُتَّاب حدثونا عن أشكال جديدة للكتابة موجودة وتحتاج إلى من يدشنها في دراسات عميقة. وبالمناسبة لن يحدد أحد ملامح كتاباتكم بدقة إلا أنتم ونقاد من بينكم.

 

 

* روائي مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة