|   

النسخة: الورقية - دولي

هناك 13 مطلباً من الدول الأربع في الخلاف مع قطر أهمها ما يتعلق بأمن هذه الدول واستقرارها، ومعها المنطقة، إذ تتركز مخاوفها أساساً من إمكان تسلل إيران من إحدى ثغرات الخلاف. والثغرة هنا ليست بالضرورة عسكرية كما بينت تجارب حروب في القرن العشرين، لا سيما في الحرب العالمية الأخيرة، وتحديداً في ألمانيا وفرنسا، وفي امتداد الضفة الشرقية لقناة السويس في منطقة الدفرسوار حين نجحت القوات الإسرائيلية بقيادة الجنرال آرييل شارون في تطويق الجيش الثالث المصري وسلبت مصر والعرب من قيمة انتصارهم في حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973. فللثغرة مفهومها السياسي والأمني أيضاً، وهو الأخطر، كما يوحي موقف دول الخليج المدعومة من مصر، في التعبير عن خشيتهم من احتمال توجه الدوحة نحو إيران بحجة الحماية والدفاع عن النفس نتيجة تصاعد المواجهة المتوقع، على رغم السعي الأميركي للتهدئة.

قطر عضو مؤسس في مجلس التعاون الخليجي منذ قيامه في 1981 وتتمتع مثل غيرها من أعضاء المجلس بحق البقاء تحت خيمته أو الخروج منها إن شاءت، ولكن على الدوحة أن تراعي قلق شركائها مما يعتبرونه تهديداً لأمنهم واستقرارهم، متمثلاً في سياسة قطر الإقليمية، وبخاصة علاقتها مع جماعة «الاخوان المسلمين» وتنظيمات إسلامية أخرى داخل الإقليم وخارجه. ولعل هذا الأمر تحديداً يفسر انضمام مصر إلى حملة الاحتجاج الخليجية. صحيح أن قطر تنفي كل ما ينسب إليها من اتهامات وتدافع عن سياستها عموماً وتؤكد سيادتها. ولكن نقاط الخلاف في شأن المسألة القطرية لا تخاطب موضوع السيادة، بل تنحصر بقضية أمنية بحتة في مرحلة حرجة تمر بها دول المنطقة كلها.

تتمتع قطر بوفرة من الثروة لا مثيل لها في أي دولة أخرى، بمعدل دخل للفرد يبلغ 102100 دولار تليها تسع دول أخرى بينها سويسرا بـ52000 دولار وآخرها الولايات المتحدة بـ52000. ولكن هذا الثراء الضخم يجب ألا يحجب الرؤية عن المسؤولين القطريين في شأن فهمهم لمسألة السيادة وممارستها في حيّز جيو-سياسي شائك وبالغ التعقيد بين الوطني والديني والطائفي والعقائدي والقومي والإثني والعشائري، فضلاً عن الطموحات والمصالح العالمية المتنافسة فيه. فالاستقواء بالطرف الأميركي وبقاعدته الأكبر في العالم لم ينفع لأن جلّ ما يمكن أن تفعله واشنطن في الخلاف الراهن ضمن «البيت الخليجي» هو تماماً ما يقوم به وزير خارجيتها ريكس تيلرسون، أي الوساطة في أحسن الأحوال. ولعل هذا ما يدفع الدوحة نحو الظن بأن دعوتها زعيم تركيا الطائش أردوغان لحقن القاعدة التركية في قطر بقوات جديدة قد يحصّن موقفها، والأخطر تحولها إلى إيران سعياً وراء الحماية تحت حجة ممارسة السيادة.

في أي تجمع إقليمي ينشب خلاف بين حين وآخر ولكن سرعان ما يُحل وفق القواعد الرافعة لهذا التجمع. الاتحاد الأوروبي يدير شؤونه وخلافاته بنجاح لافت على مدى أربعة عقود، على رغم تعدد الثقافات واللغات والسياسات والقوميات لدى أعضائه الـ28. وقدم الاتحاد مثالاً يحتذى في اتخاذ إجراءات دمج سياسية واقتصادية أوسع عند فتح أبوابه لدول أوروبا الشيوعية سابقاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. دول مجلس التعاون، لا سيما قطر، وهي دول يفترض أن ما يجمع بينها أكثر مما يفرق، يمكن أن تتعلم من تجربة أوروبا المتماسكة وهي تواجه تحدي «بريكزيت». ولا شك في أن ما يواجه المجلس راهناً أخطر أزمة مصيرية منذ تأسيسه، ومهما كان القرار النهائي لقطر، عليها أن تأخذ قلق شركائها في شأن سياساتها المحلية والإقليمية في الاعتبار.

واضح أن مجلس التعاون كان يتعايش بصمت مع الأزمة منذ نيسان (أبريل) 2014، عند التوقيع على اتفاقية التفاهم حول الخلاف مع قطر. وأسباب الخلاف الراهن معها لا تختلف كثيراً عن أسباب الخلاف السابق حين اكتفت السعودية والإمارات والبحرين بسحب سفرائها من الدوحة بدلاً من المقاطعة كما يحدث الآن، لإعطاء أمير البلاد الشاب تميم بن حمد آل ثاني الوقت اللازم كي يستقر في منصبه الجديد.

الأزمة الراهنة غير المسبوقة تعكس واقعاً جديداً في إطار العلاقات العربية- العربية. فالتقليد عند العرب، وهذا أمر مؤسف، أنهم يميلون ببساطة عند وقوع المشكلات في ما بينهم نحو تجنب تطبيق ما يتفقون عليه في أغلب الأحيان، وكان هذا واضحاً منذ السبعينات. ويبدو أن لهذا التقليد جذوره الممتدة عميقاً، لسبب أو آخر، في ثقافة العرب، ليس كظاهرة حديثة بل كسمة مستمرة منذ قرون، إذ يأخذ هذا التقليد أشكالاً مختلفة بين دول العرب المعاصرة، ما يفسر ربما فشلها حتى الآن في حل مشكلاتها المزمنة.

هل تغير هذا الواقع في ضوء الأزمة الراهنة؟ ربما، وبسرعة، نتيجة رد الدول الأربع، ولكن لن يتوضح ذلك إلا بعد تلمس مدى وعمق أثر ذاك الرد في صوغ نهاية للأزمة. التحرك الأميركي بالغ الأهمية لأن واشنطن والتحالف الدولي ومهمته في الحرب ضد «داعش» والإرهاب العابث ستكون الخاسر الأكبر نتيجة استمرار الأزمة القطرية

. لذا كان مهماً أن ينطلق تيلرسون في مهمته من دولة الكويت صاحبة مبادرة الوساطة في الخلاف مع قطر، والأهم تأكيده أن نشاطه يردف الوساطة الكويتية. فالولايات المتحدة تتشارك مع دول الخليج المختلفة مع الدوحة في ضرورة تجفيف مصادر تمويل الإرهاب في المنطقة وإبقاء إيران بعيدة عن النفخ في هشيم الأزمة والحيلولة دون تسللها عبر «دفرسوار» قطري يخلق تهديداً أمنياً جديداً في الجزيرة العربية أكثر خطراً من تـــهديد الحوثي في اليمن.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة