|   

النسخة: الورقية - دولي

المتابع للتوجهات التركية نحو المنطقة العربية عموماً ومنطقة الخليج خصوصاً، يجد تناقضات تعبر عن الخلل الذي أصاب بنية الدولة التركية ذاتها بعد فشل المحاولة الانقلابية قبل عام. بصرف النظر عن الأسباب التي دفعت قيادات كبرى في الجيش إلى التحرك ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يدرك العالم ببواطن السياسة التركية أن المؤسسة العسكرية تحظى باحترام خاص بين غالبية الأتراك، بل من المألوف أن تتوقف حركة السير في المدن الكبرى عند انضمام الشبان الأتراك إلى الخدمة العسكرية بسبب الاحتفالات التي تقيمها أسرهم بهذه المناسبة.

ظل الجيش هو القائم على تنفيذ وصية مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك بالحفاظ على وحدة الدولة وسلامة أراضيها، وعلى رغم التغيرات التي لحقت بوضعيته الدستورية، فإن ميراث عقود عدة لا يزال يؤثر في وجدان الأتراك الذين يدركون أنه لولا الحرب التي خاضَها الجيش تحت قيادة أتاتورك لتغير وجه تركيا الحديثة، إذ كان مقرراً اقتطاع مدن كبرى من خريطتها بعد الهزيمة التي لحقت بالأتراك خلال الحرب العالمية الأولى.

المتابع للتصريحات التركية خلال العقدين الأخيرين يجد تبايناً واضحاً بين اتجاهين: الأول يؤكد أنه لا توجد لدى تركيا أية أجندة سياسية تحدد تحركاتها في المنطقة، وأن التزامها الذي لا رجعة فيه هو المساهمة في بناء الاستقرار في محيطها الإقليمي استعداداً لتحقيق الحلم الكبير الذي طالما داعب عقول الأتراك وهو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. اقتربت تركيا كثيراً من المنطقة العربية ووقَّعت الكثير من الاتفاقات التجارية والثقافية، وأصبحت الدراما التركية بين أكثر الأنواع انتشاراً، بل فاقَ تأثيرها أحياناً تأثير غيرها من الدراما الناطقة بالعربية.

أما الاتجاه الثاني، فهو ما ظهر في السنوات الأخيرة عبر قراءة ردود الفعل التركية على الكثير من المتغيرات العربية، وكان أولها الموقف العنيد الذي اتخذته أنقرة تجاه إطاحة نظام «الإخوان» في مصر. فبينما احتفى الإعلام التركي بتجمعات المواطنين الأتراك التي خرجت إلى الميادين للاحتجاج على تحركات الجيش قبل عام، فإن الإعلام ذاته هو الذي تجاهل خروج ملايين المصريين فى 30 حزيران (يونيو) 2013 للمطالبة بتصحيح مسار الدولة المصرية قبل أن تسقط في دوامة الانقسام الأبدي.

والغريب أن الدول العربية الرئيسة تقبلت فوراً هذا التغيير ورحبت به إدراكاً منها لحقيقة الوضع، كما استوعبت القوى الكبرى تدريجاً أسبابه، وفي مقدمها استجابة إرادة الشعب. بل جاءت التطورات اللاحقة والمتصلة بالإجراءات الاقتصادية للحكومة المصرية لتثبت أن شرعية ما بعد 30 حزيران متصلة وليست وليدة لحظة استثنائية فرضتها ظروف الحاجة إلى التغيير. ويدرك المتابع لتاريخ الإصلاحات الاقتصادية في مصر مدى قسوة هذه الإجراءات على شرائح واسعة من المواطنين.

الأمر ذاته يكاد يتكرر عند تناول الموقف التركي من الخلاف الدائر الآن بين مجموعة من الدول العربية والدوحة، إذ جاء مشهد إرسال أنقرة تعزيزات عسكرية قوامها بضع مئات من الجنود محيراً. صحيح أن المشهد لا يخلو من دلالة رمزية، لكن المهم هنا هو سبب حرص تركيا على الزج بنفسها في شأن خليجي عربي بالأساس. وازداد الموقف حيرة بعد التصريحات التركية الأخيرة التي تدعم الموقف القطري من دون مراعاة شواغل الدول التي تضررت من السياسات القطرية. فهل تجد أنقرة حقاً أن مفتاح تطوير علاقاتها بالمنطقة العربية يوجد في هذه العاصمة العربية الصغيرة من دون غيرها؟

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة