|   

النسخة: الورقية - دولي

إنهاء واشنطن برنامج دعم الثوار السوريين- وهو برنامج استفاد منه 20 ألف مقاتل، ومنهم مقاتلو مجموعات مثل «الفرقة 13» و «كتيبة حمزة» في الشمال الغربي والجنوب و «جيش أسود الشرقية» في الجنوب الغربي- هو إقرار براغماتي بواقع عسكري (حدود قدرة «الثوار» على القتال وإطاحة الحكم السوري)، وقرار أميركي بالتخلي عن سورية لروسيا. وأبرز نتائج هذا القرار هي خسارة واشنطن صدقيتها في أوساط أذرعتها في الشرق الأوسط. ورمى البرنامج في وقت أول إلى دعم الثوار في قتالهم نظام الأسد على جبهة الحرب الأهلية في الشمال (حلب وإدلب واللاذقية ومحافظة حماه، والجبهة الوسطى في حمص والجبهة الجنوبية: دمشق والقنيطرة والسويداء ودرعا). ولكن تطورات الحرب في السنوات الأخيرة، أي انفضاض الأردن وتركيا عن الحلف المعادي للأسد، زادت عزلة الثوار وقوضت أكثر فأكثر فاعليتهم. وعلى الجبهة الجنوبية، أخفقت مساعي الثوار إلى سيطرة على دمشق وعلى درعا والسويداء. والقتال على هذه الجبهة جمّد منذ بدء التدخل الروسي في أيلول (سبتمبر) 2015، إثر اتفاق روسيا والأردن وحكومة الأسد على وقف إطلاق نار في محافظة درعا. وأغلق الأردن الحدود في وجه تعزيزات الثوار وأمرهم بوقف المواجهات مع الجيش السوري. وهؤلاء اضطروا إلى الامتثال مخافة خسارة الرواتب والسلاح والحماية في وجه الإسلاميين. ورحّب وزير الخارجية الأميركي السابق، جون كيري، بالتعاون الأردني – الروسي، ولكنه لم يكن مخيراً. فالملك الأردني أراد الحؤول دون قصف الروس مناطق الثوار في محافظة درعا المجاورة للحدود الأردنية – السورية قصفاً شاملاً. ومثل هذا القصف كان ليحمل اللاجئين على التدفق إلى الأردن. وخشيت عمان كذلك من مساهمة عموم الفوضى جنوب سورية في تقوية شوكة المتطرفين، وإضعاف العاصمة الأردنية أمام هجمات الإرهابيين. فقصر الثوار أنشطتهم على قتال «داعش» و «هيئة تحرير الشام» («القاعدة»).

ومنذ آب (أغسطس) 2016، تقاربت تركيا مع روسيا، ولم تعد ترمي إلى إطاحة نظام الأسد بل إلى الحؤول دون إحكام «الاتحاد الديموقراطي» الكردي السيطرة على المنطقة الممتدة من عفرين في شمال غرب سورية إلى نهر دجلة، ومساحة المنطقة هذه نحو 500 ميل على الحدود التركية – السورية. ومقابل سماح الروس للأتراك بالتدخل في منطقة الباب في شمال شرق سورية- والخطوة هذه تقطع اتصال المناطق التي يسيطر عليها الكرد- سحبت تركيا دعمها للثوار في شرق حلب في ختام 2016، فساهمت في هزيمتهم السريعة أمام الجيش السوري. واليوم، تؤيد أنقرة مشاريع إيران وروسيا لوقف إطلاق النار في ما يسمى عملية الآستانة. وتدعم تركيا مجموعات مثل «أحرار الشام»، وتحضهم على جبه «هيئة تحرير الشام» في إدلب، وعدم قتال الأسد. فأنقرة بتت أمرها، وترى أنها تحتاج إلى دولة مركزية سورية للحد من نفوذ «الاتحاد الديموقراطي» على حدودها الجنوبية. والجبهة اليتيمة التي يتواجه فيها ثوار دعمتهم أميركا مع الأسد هي في التنف في جنوب شرق سورية. ويتوزع هؤلاء الثوار على مجموعات مثل «أسود الشرقية» و «جيش المغاوير الثوري»، وكان في مقدورها (المجموعات هذه) تهديد دمشق ومنطقة القلمون الاستراتيجية في الجبال على مقربة من الحدود اللبنانية - السورية. وفي ربيع العام الحالي، اقتنص الثوار الفرصة السانحة إثر انسحاب «داعش» من الصحراء السورية الجنوبية بين الأردن وتدمر، وسيطروا على مناطق واسعة بين التنف والقلمون. ولكن سرعان ما شن الجيش السوري وميليشيات عراقية شيعية حملة لتطويق المجموعات هذه في التنف، حيث هم في حماية قوات خاصة أميركية. والمجموعات هذه لم تعد تهدد النظام.

وفي غياب دعم الأردن وتركيا، تكاد لا ترتجى فائدة من دعم الـ «سي آي أي» ثواراً سوريين. وآخر عملية بارزة شنها هؤلاء على دمشق قبل 4 أعوام في صيف 2013. ومذّاك، تربعت مجموعات إسلامية أفلحت في استمالة السكان ودعم دول عربية وتركيا- محل المعتدلين، وصارت أشرس قوة في وجه النظام. وفي شمال سورية، أطاحت «هيئة تحرير الشام» و «داعش» الثوار ممن دعمتهم أميركا. وفي الجنوب، لم يشارك المعتدلون في هجمات «هيئة تحرير الشام» الأخيرة للسيطرة على درعا. وفي جوار دمشق، تساقطت بؤر الثوار، ولم تصمد سوى الغوطة الشرقية، ويتوقع أن تسقط في الأشهر القادمة. ولن يغير وقف برنامج دعم الثوار السوريين توازن القوى في سورية، ولكنه يقوض معنويات الثورة ويسرع وتيرة تهافتها وتداعيها. وصار في مقدور الجيش السوري الانصراف إلى جبه مجموعات الثوار في غرب سورية- وهم في الأغلب إسلاميون مثل «هيئة تحرير الشام» أو «جيش الإسلام». ولا يقيم الجيش السوري وزناً لمناطق التهدئة و «خفض التصعيد» في درعا والغوطة الشرقية، فهو يقتنص الفرص السانحة ليتقدم، وينتهز إحباط الثوار بعد إعلان واشنطن وقف الدعم. فالثوار يشعرون بالضعف والخيانة. ويخلف إعلان وقف الدعم والتمويل أثراً مماثلاً لسقوط حلب في العام المنصرم. فسقوط حلب حمل مجموعات كثيرة في محيط دمشق إلى السعي إلى اتفاق مع نظام الأسد. وبعضهم رحِّل إلى إدلب، وبعض آخر استساغ عفو النظام والتحق بالقوى الأمنية. وشطر ضئيل من الثوار التحق بالمجموعات المتطرفة من أمثال «هيئة تحرير الشام».

وأعلن دونالد ترامب من طريق وقف دعم قتال الثوار ضد الأسد أن واشنطن لا تسعى إلى تغيير النظام في سورية. والإعلان جاء بعد لقاء ترامب نظيره الروسي في قمة الدول العشرين. ورأى بعضهم أنه تنازل أميركي أمام روسيا. ولكن هذا الحسبان في غير محله. فواشنطن اليوم تعتمد على روسيا في كبح النفوذ الإيراني في سورية. وهي ترجح كفة انتشار قوات روسية في جنوب سورية على كفة انتشار «حزب الله» و «الحرس الثوري» في مناطق حدودية مع إسرائيل. وترى واشنطن وتل أبيب أن انتشار القوات الروسية هو أهون الشرور، على رغم أنه يقتضي تقديم تنازلات والنزول على مصالح روسيا. وعلى رغم أن دعم الثوار السوريين لم يعد يعتد به على المستوى الاستراتيجي، التخلي عنهم هو سابقة سيئة تُجمع مع سوابق سلبية مثل انسحاب أميركا من العراق، وتنتصب قرينة على مقاربة واشنطن (السلبية) الحلفاء في الشرق الأوسط. وصار في وسع النظام السوري السيطرة على دير الزور في الشرق من دون أن يخشى هجمات في مناطق أخرى. ومع إجازة واشنطن استعادة دمشق دير الزور، تسلم الحدود العراقية – السورية إلى الإيرانيين وتطلق يدهم في إنشاء الممر البري الذي لطالما تاقوا اليه بين طهران والمتوسط. والقوى السنّية المؤيدة لأميركا أضعف من أن تحول دون مثل هذه النتيجة. ولا ترغب «قوات سورية الديموقراطية» في قتال النظام ولا في الإمساك بأراض خارج المناطق الكردية. واليوم تدرك هذه القوات، وتركيا هي خصمها اللدود، أن دعم واشنطن ليس مستداماً وليس مضموناً. ويتساءل كثر من قادتها عما يلي سقوط الرقة وإطاحة «داعش». والأغلب أن يتبدد إذّاك الدعم الأميركي مع انتفاء الحاجة إلى «قوات سورية الديموقراطية» وتحول القوات هذه إلى مصدر خلاف فحسب مع تركيا، في وقت تحتاج واشنطن إلى تعاون أنقرة لضبط التوسع الإيراني في المنطقة. ومثل هذه الظروف قد يحمل «قوات سورية الديموقراطية» على التقرب من روسيا وطلب حمايتها من تركيا.

والحق يقال، إن واشنطن ترجح كفة الأسد وحلفائه. والأشهر القادمة (إلى نهاية العام الحالي) مخصصة لاستعادة الجيش السوري شرق سورية، في وقت إن 2018 هو على الأغلب عام تدمير مخلفات جيوب الثوار في الغرب، وفي مناطق التهدئة ووقف التصعيد. ولا خيار أمام «قوات سورية الديموقراطية» غير تسليم الرقة للأسد مقابل إدارة ذاتية غير رسمية في كانتوناتها (أقاليمها). ويبدو أن بوتين هو المنتصر الأكبر في الحرب السورية. فهو بعث القوة الروسية في الخارج مقابل كلفة مالية وبشرية بخسة نسبياً، وارتقت بلاده لاعباً بارزاً في الشرق الأوسط. وتأمل أميركا بأن يبرز شقاق في الحلف الروسي – الإيراني في سورية. ولكن قد يطول الأمر في انتظار وقوعه (الشقاق). وعلى خلاف إيران، لا ترغب روسيا في تعكير علاقاتها بإسرائيل. ولكن ثمة مصلحة تجمع بين طهران وموسكو. فبوتين يرغب في الاقتصاص ممن كان يحدد أسعار النفط ويدعم مالياً مجموعات إسلامية قيدت القوة الروسية في الشيشان، فيما تلتزم إيران الصبر بعد فوزها بهذه الجولة من فصول اللعبة الاستراتيجية الكبرى في الشرق الأوسط. والمنتصرون هم أصحاب استراتيجية متماسكة طويلة الأمد وهم قادرون على استمالة تعاون وكلاء محليين وحلفاء محليين. وفي هذا الميزان، تنتكص أميركا على عقبيها.

 

 

* أستاذ ومدير البحوث في جامعة ليون الثانية، باحث زائر في «واشنطن إنستيتيوت فور نير إيست بوليسي»، عن «فورين أفيرز» الأميركية، 2/8/2017، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة