|   

النسخة: الورقية - دولي

تهدد الأزمة المتصاعدة الوثيقة الصلة بالتوتر العسكري بين الصين والهند في جبال الهيمالايا بتقليص نفوذ الرئيس الصيني، شي جينبينغ الذي بلغ السلطة من طريق موجة قومية هبت على الصين قبل خمس سنوات. وأجرت الصين عرضاً عسكرياً كبيراً قبل أيام في منطقة منغوليا الداخلية - وهذه تتمتع بحكم ذاتي - للاحتفال بالذكرى التسعين على إنشاء جيش التحرير الشعبي الصيني. واستعرضت القوات المسلحة الصينية قدراتها العسكرية في أول استعراض للطائرات الشبح والمعدات العسكرية الحديثة. ولكن في الذكرى هذه، كانت الحماسة القومية على شبكة الإنترنت خافتة، ووجهت سهام النقد إلى موقف جيش التحرير الشعبي الدفاعي فحسب أمام الهند. «بكين ستتعرض للاحتلال بطريقة أو بأخرى»، شعار راج على الإنترنت الصينية. وكتب آخرون: «ليس أمامنا خيار سوى أن نكون هنوداً». وكتب أحد القوميين الصينيين: «يستعرضون قوتهم وأسلحتهم بفخر، لكنهم لا يستطيعون إخراج القوات الهندية».

وبدأت الأزمة في منتصف حزيران (يونيو) الماضي، وترى الهند أن الجيش الصيني شق طريقاً في دولام، وهي منطقة متنازع عليها في جبال الهيمالايا، تقول كل من الصين ومملكة بوتان أنها تعود إليها. وتقول دلهي أن الصين تشق طريقها إلى الحدود الهندية، وأن إنشاء الطريق هذا ونشر الجيش الصيني المواقع العسكرية في منطقة قريبة من الهند، هو تهديد لها. وفي الشهر ذاته، اجتاز الجيش الهندي الحدود إلى دولام لوقف شق الطريق (الصينية)، ومذّاك، اندلعت أزمة صينية - هندية على مقربة من ممر دوكا لا الجبلي. وتتمسك الصين بالقول أن الهند أقدمت على انتهاك الحدود، وطالبت بكين دلهي بسحب القوات الهندية. لكن الهند لم تنسحب بعد من دولام. ولم يسمع قبل اليوم أن تدخلت دولة عسكرياً في منطقة تعتبرها الصين جزءاً منها. لكن الصين وقفت موقف المتفرج، ولجأت إلى خطاب حربي فحسب، من دون اللجوء إلى رد عسكري.

ووراء الألعاب النارية الكبرى التي أقامتها الصين في احتفالات الذكرى التسعين لتأسيس جيش التحرير الشعبي، تبرز خلافات عميقة بين الصين ودول الجوار من كوريا الجنوبية، ويدور خلاف بينها وبين الصين على نشر درع مضاد للصواريخ، إلى الهند. وأججت السياسة الصينية في العقدين الماضيين، المشاعر القومية، وتوسلت القيادة الصينية بهذه المشاعر لبلوغ أهداف سياسية. وفي 1996، راجت دراسة بعنوان «في وسع الصين أن تقول لا»، وصارت الأكثر مبيعاً في الصين. وطالبت شريحة كبيرة من الصينيين بانتهاج سياسة خارجية أكثر تشدداً. ويندرج خطاب الرئيس الصيني، شي جينبينغ، عن انبعاث الأمة الصينية العظيمة في سياق النفخ في المشاعر القومية، شأن سياسات بكين في مقاربة النزاعات الحدودية في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، وسياسة التسلح وترميم حاملة الطائرات السوفياتية وبدء تصنيع النموذج الصيني منها. ووجهت بكين رسالة إلى الساحة الداخلية والساحة الدولية مفادها أنها لن تساوم في نزاعاتها الحدودية الأساسية. عليه، قد يفضي تراجع الجيش الشعبي الصيني أمام القوات الهندية إلى أزمة سياسية كبيرة في الصين.

وعلى رغم هذه الاعتبارات، لا تسع الصين المغامرة بصدام عسكري مع الهند. ولو فازت الصين بالجولة (جولة النزاع)، سيدين المجتمع الدولي ما حصل، ويعتبر أن نتيجة المنازلة العسكرية هذه هي هيمنة عسكرية صينية. وهو ما يعيق الصعود السلمي للصين كلاعب دولي كبير، ويهدد مصالحها الخارجية مثل طريق الحرير وغيرها من الطرق. وتقوض خسارة الصين مواجهة عسكرية مع الهند، سلطة جينبينغ في مجلس الشعب الصيني الذي سينعقد في الخريف المقبل وينتخب قيادات جديدة.

وحين قامت تظاهرات ضد اليابانيين في المدن الصينية في أيلول (سبتمبر) 2012 قبيل انعقاد مجلس الشعب الصيني، توسل جينبينغ والقوى المؤيدة له بالتظاهرات هذه لتقويض نفوذ سلفه وأنصاره وسياسته إزاء اليابان. ووصف جينبينغ سياسة هوجينتاو بالمهادنة، وكسب تأييد المتشددين في القوات المسلحة. ومهما كانت الحقيقة وراء الكواليس، فإن الرئيس الصين بلغ السلطة محمولاً على أكتاف أصحاب المشاعر المعادية لليابانيين.

ومن طريق إسقاط الحوادث الحالية على واقع الحزب الصيني الحاكم، يجوز الاستنتاج أن الأجنحة المناوئة للرئيس الصيني في الحزب هي التي تقف وراء الشعارات والتعليقات المنتقدة موقف القيادة الصينية من «الغزو» الهندي. فهذه التعليقات ظهرت أكثر من مرة في أكثر من موقع منذ تموز (يوليو) الماضي.

 

 

 * محرر، عن «نيكاي» اليابانية، 2/8/2017، إعداد جمال إسماعيل

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة