|   

النسخة: الورقية - دولي

غيَّب الموت أخيراً الدكتور علي السمان، أحد أبرز الشخصيات التي لعبت دوراً مهماً على مدار أكثر من نصف قرن في مجال الحوار بين الثقافات والحضارات والأديان، وخاصة بين العالم الإسلامي والغرب، وتحديداً مع الكنائس الأوروبية والغربية، وفي مقدمها الفاتيكان الذي يمثل القيادة الروحية للكاثوليك في العالم، وأسقفية كانتربري البريطانية التي تمثل الكنيسة الانغليكانية، وكذلك مع دوائر الثقافة والفنون في الغرب.

وقد مكَّن جمع السمان بين دراسة القانون والعلوم السياسية في فرنسا، منذ الخمسينات، من إدراك أهمية دور الثقافة كعنصر أساسي في العلاقات الدولية، وهو أمر يحسب له في زمن سبق بعقود عدة بدء اهتمام العالم بقضايا العلاقات بين الثقافات والحضارات والأديان، سواء عبر الصراع أو التنافس من جهة أو الحوار والتعاون من جهة أخرى. وكانت له كتاباته القيمة ومساهماته في حوارات ونقاشات في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية حول هذا الموضوعات، ويذكر له على سبيل المثال لا الحصر مقالاته في عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين في صحيفتي «لا في أفريكان» و «لا تريبيون دي ناسيون» الفرنسيتين، كما شهد عقد الستينات خصوصاً انطلاق مساهماته في هذه الموضوعات في شهرية «لوموند دبلوماتيك» الفرنسية المعروفة عالمياً.

ودخل السمان هذا المجال من طريق ثلاث بوابات لا يتحقق الجمع بينها للكثير من ناشطي مناحي العمل العام، وأقصد: العمل في سياق حكومي، ثم العمل في إطار مؤسسات دينية رسمية، وأخيراً وليس آخراً العمل عبر نافذة العمل الطوعي والمنظمات الأهلية. ففي مجال العمل الحكومي وشبه الحكومي عمل الراحل في عدة مجالات مرتبطة بشكل مباشر بالإعلام الخارجي في مصر، إلى أن أصبح مستشاراً للرئيس المصري الراحل أنور السادات للإعلام الخارجي، بالإضافة إلى كونه مشرفاً عاماً على الإعلام الخارجي داخل مؤسسة الرئاسة المصرية خلال الفترة ذاتها، كما تولى مسؤولية وكالة الأنباء المصرية الرسمية (وكالة أنباء الشرق الأوسط) لسنوات عدة، بالإضافة إلى مسؤوليته عن العلاقات مع أوروبا في اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري لفترة قاربت 15 عاماً. وخلال تلك السنوات، حدث انفتاح مصري تجاه الغرب عموماً وأوروبا الغربية خصوصاً، وكان للراحل دوره في إسداء النصح المهم والمؤثر للسادات بشأن كيفية طَرق أبواب الغرب، خصوصاً أوروبا، لكسب الأنصار في المواقف المصرية والقضايا العربية. أما في ما يتعلق بالمؤسسات الدينية الرسمية، فقد انخرط السمان بشكل فعال، منذ أكثر من عقدين، في مسيرة الأزهر الشريف والمؤسسات الإسلامية المصرية الأخرى ذات الصلة بفتح حوار مع ثقافات وديانات أخرى، خصوصاً المسيحية والثقافة الغربية، سواء من خلال رئاسته لجنة الحوار في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة، أو عبر عمله كمستشار لشيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي لشؤون الحوار بين عامي 2000 و2006. كذلك تولى، وعلى مدار عقد كامل في نهاية الألفية الثانية ومطلع الألفية الثالثة، منصب نائب رئيس اللجنة الدائمة للأزهر للحوار بين الأديان السماوية.

وهنا يتعين التوقف عند الدور المهم الذي لعبه علي السمان في الدفع بالحوار بين الأزهر الشريف وعدد من المؤسسات الدينية المسيحية، وبخاصة الفاتيكان وأسقفية كانتربيري ومجلس الكنائس العالمي. وأدى العديد من المهمات التي ساعدت على إطلاق حوارات منتظمة بين الأزهر والعديد من تلك المؤسسات المسيحية المهمة، كما ساعدت جهوده وعلاقاته الطيبة بدوائر ثقافية وقامات فكرية ومؤسسات دينية في أوروبا والغرب على إكساب تلك الحوارات الطابع المؤسسي وإضفاء صفة الجدية والتركيز على المضمون بدلاً من الشكل.

وفي السياق ذاته، يتعين القول إنه عندما اتخذ الأزهر قراره بتعليق الحوار مع الفاتيكان في عهد البابا السابق بينيديكت السادس عشر، مثل مؤسسات إسلامية أخرى في العالم الإسلامي في ذلك الوقت، على خلفية ما ورد في احدى محاضرات البابا السابق التي تضمنت إشارات تم اعتبارها ربطاً عضوياً بين الإسلام وممارسة العنف، بينما تم النظر إلى بعضها الآخر باعتباره يتضمن إساءات إلى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، فإن الأستاذ الدكتور علي السمان رحمه الله وقف بقوة الى جانب تلك المواقف الحاسمة للأزهر الشريف وغيره من مؤسسات الدعوة الإسلامية، في مواجهة تجاوزات ضد مقدسات إسلامية وكذلك تفنيداً للربط بين دين بعينه وأتباعه وبين العنف أو الإرهاب، واستمر ذلك الموقف حتى استؤنف الحوار في عهد البابا الحالي فرانسيس، الذي جاءت زيارته القاهرة في شهر نيسان (أبريل) من هذا العام ولقاؤه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب لتعيد إطلاق الحوار بين الأزهر والفاتيكان على أسس أقوى وبناءً على تفاهمات مشتركة لجوهر الحوار ومضمونه وأهدافه.

أما على صعيد العمل في سياق المجتمع المدني لنشر دعوة الحوار بين الثقافات والأديان، خصوصاً بين العالم الإسلامي والغرب، فقد تعددت أنشطة الراحل وتنوعت مبادراته، فقد أسس وترأس لسنوات طويلة الاتحاد الدولي لحوار الثقافات والأديان وتعليم السلام (أديك) في كل من مصر وأوروبا، كما تولى منصب الأمين العام للجمعية المصرية الأوروبية للإعلام في سويسرا. وكان لهذا الدور أثره في الترويج لثقافة الحوار ومنهجه بين الأطراف الفاعلة في المجتمعات العربية والإسلامية والأوروبية والغربية على حد سواء، كما نبه من خلال تلك المنابر إلى مخاطر الترويج لطروحات الصدام أو العداء بين الحضارات والأديان المختلفة، بالإضافة إلى حقيقة أنه اكتسب المزيد من المؤيدين والأنصار لدعوة الحوار، والتعريف بصحيح رسالة الدين الإسلامي لدى دوائر كثيرة في المجتمعات الأوروبية والغربية. وهذا كله بجانب الأطراف التقليدية المستهدفة من هذه الدعوة وهي المؤسسات الدينية والشخصيات العاملة في النشاط الدعوي للطوائف المسيحية، وكذلك رموز الثقافة والفكر الغربيين.

وعمل السمان على توظيف عدد من المحافل العالمية المهمة بهدف الدفع بدعوة الحوار وتقديم صورة حقيقية عن الإسلام، ديناً وثقافةً وحضارةً، ومن هذه المحافل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ومنظمة الفرانكوفونية، والمجلس المصري الأوروبي.

لم يكن مستغرباً أن يحظى الدكتور علي السمان رحمه الله، بالتقدير داخل صفوف العالم العربي والإسلامي وفي الدول الأوروبية والغربية، كما جاء هذا التكريم من حكومات ومؤسسات دينية رفيعة ومن منظمات غير حكومية لها سمعتها العالمية في دعوات الحوار بين الحضارات والأديان في أحيان ثالثة. فقد حظي بالتكريم من فرنسا، ومن أسقفية كانتربيري البريطانية ومن منظمة «علاقات الشعوب مع الشعوب الدولية» الأميركية غير الحكومية، التي تولت رئاستها لسنوات طويلة السيدة ماري أيزنهاور، حفيدة الرئيس الأميركي الراحل دوايت أيزنهاور، وهو الأمر الذي يبرز مدى التقدير لدور هذا المفكر والإعلامي والمثقف في ميدان الحوار بين الثقافات والحضارات والأديان.

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة