|   

النسخة: الورقية - دولي

يُـستخدم تعبير الانفلات عادةً في مجال الأمن تحديداً، فيقال «الانفلات الأمني»، والمراد هو انفراط عقد المنظومة الأمنية، حين يقع تجاوز الضوابط القانونية، ويصعب التحكم في ما يجري على الأرض، فتعم الفوضى لتصبح ضاربة أطنابها.

وإذا كان للانفلات الأمني أسبابه ودواعيه ومصادره، فإن الانفلات الثقافي هو أحد أقوى الأسباب لانعدام الأمن في مفهومه العميق ومدلوله الشامل، باعتبار ما للعنصر البشري من تأثير في استتباب الأمن من عدمه، وما للثقافة من دور في بناء العقل الرشيد الذي يقود إلى السلوك الإنساني السوّي، وإلى الانضباط في القيام بالوظائف كافة، وإلى احترام القوانين العامة، والقيم المجتمعية. وهذا هو الأمر الذي يؤكد العلاقة بين الأمن والثقافة بهذا المفهوم.

ولا يـنـكـر أحد أن مجتمعاتنا الإسلامية، وليست العربية فقط، تعرف ضروباً من الانفلات الثقافي، الذي هو نتيجةٌ لما يمكن أن نطلق عليه «الانحراف الثقافي» على غرار «الانحراف الأخلاقي» الذي نعرف أسبابه وندرك العوامل المؤثرة فيه. ومن مظاهر الانفلات الثقافي الاختلاط في المفاهيم، والتزييف لحقائق التاريخ، والقطيعة مع التراث أو تشويه صورته والافتراء عليه.

إن فساد الذمم وضعف الهمم وانحراف التفكير في قضايا المجتمع وفي شؤون الأوطان وفي مصيرها، وارتفاع منسوب الأنانية وحب الذات والتفريط في الحق العام، والتنكر للآخر، والإغراق في النفاق الاجتماعي، وعدم الاعتراف بالحق في الاختلاف، وغلبة المصلحة الخاصة على المصالح العامة، ذلك كله هو من النتائج المترتبة على الانفلات الثقافي، لأنه اخـتـلال في موازين العقل، واعـتـلال في البنية النفسية، وفي الإحساس المسؤول بقيمة الإنسان والأوطان، وفي الشعور بالمسؤولية تجاه الذات والمجتمع. وتلك آفات مضرة وخصال مذمومة وسلوكيات وخيمة العواقب من النواحي كافة.

والانفلات الثقافي الذي نرى أنه تدمير للذات، وتخريب للمجتمعات، ومن أسباب الفساد في الأرض، يظهر في زمن التراجع الحضاري حين تدلهم الخطوب، وتـتـفاقـم الأزمات، ويحار العقلاء في فهم التناقضات، ويتزاحم الطامعون المتاجرون بحقوق الشعوب، على العبث بأمن المجتمعات لتحقيق أهدافهم الخسيسة التي لا تراعي سوى مصالحهم، وتتجاهل أو تتآمر ضد مصالح الدول التي تعصف بها المشكلات وتحاصرها الأزمات.

إن ثمة علاقة بين الانفلات الثقافي وغيره من أنواع الانفلاتات الأخرى، ومنها «الانفلات السياسي» بكل تداعياته وما يترتب عليه من نتائج تؤدي جميعُها إلى إضعاف المناعة الذاتية، وتفضي إلى استنزاف المقدرات، وضياع فرص التوسع في بناء التنمية الشاملة المستدامة، للأجيال الحالية وللأجيال القادمة على حد سواء. وليس القصد من أن الانفلات الثقافي يؤدي إلى الانفلات السياسي، هو المعنى البسيط المتداول، ولكنه يرمي إلى المعاني العميقة التي لا تخطر في الذهن بسرعة، وأحياناً تستعصي على الفهم السليم والإدراك الواعي والاستنتاج الصحيح. لذلك اخترنا أن نطلق على هذا الوضع وصف «التخبط الحضاري» الذي هو قمة هرم الفساد في المجتمعات الإنسانية من مختلف الوجوه.

وليست هذه نظرة سوداوية إلى العالم الإسلامي ولن تكون، ولكنها وصف لواقع مؤلم نراه ونحسّه مما يستدعي العمل الجاد للخروج من هذا الوضع الذي لا يليق بأمة شرفها الله بالرسالة الخاتمة حتى توضع الأمور في نصابها ولا تختلط الأولويات في زمن العلم والحضارة فتتشوش الرؤية إلى الذات وإلى العالم، ويخسر العالم الإسلامي مستقبله المنشود بإفلاس حاضره.

إنَّ التحديات العاصفة التي تواجه الأمة الإسلامية خلال هذه المرحلة، والمشكلات والصراعات الكثيرة التي تعاني منها الشعوب والحكومات في العالم الإسلامي، تفرض على أولي الأمر كما على العقلاء والحكماء وذوي الرأي الحصيف والوعي الرشيد، أن تتضافر الجهود للتحكم في هذا الانفلات الثقافي، ولضبط مساراته، وللحـدّ من غـلـوائـه وللقيام بما يلزم وتقتضيه الحـال، لتصحيح الأوضاع، ولترشيد السياسات، وللتصدي للفساد، ولبناء الأوطان على أسس سليمة وبرؤية حضارية، وللحفاظ على مقدرات الأمة وحماية مصالحها والدفاع عن حقوقها، والوقوف في وجه المتربصين بها الدوائـر، وهم كثـر.

 

 

* أكاديمي سعودي

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة