|   

النسخة: الورقية - دولي

بعد ست سنوات ونصف سنة على اندلاع انتفاضات «الربيع» العربي لا يعدم المراقب أن يخرج بانطباع عريض مفاده أن الطلب على الديموقراطية في المجتمعات المنتفضة ضد أنظمة الحكم السلطوي والمتسلّط يبدو ضعيفاً. يترتب على هذا الانطباع اعتقاد باعث على المرارة واليأس والإحباط: كان الانتفاض قفزة خارج الخطوط الكبرى للحداثة وعصرها الموسوم بالعالمية وبالعولمة في آن معاً، بدلاً من أن يكون وثبة قوة ذاتية وطنية للتموضع الفاعل داخلها. والحال أن الطلب على الديموقراطية لم يكن أصلاً في طليعة الشعارات والرايات المرفوعة للحراك والتمرد على سلطات استئثارية وأمنية وتعسّفية. الشعارات التي طغت، بحسب ما رأينا وتابعنا، كانت تدور على الحرية والكرامة والعدل. ينبغي أن نضيف، خصوصاً في الحالة التونسية، الشعار المطالب، بكل بساطة وبغضب متواضع، بالشغل. هناك بالطبع من استخدم الصفة الديموقراطية في البيانات الرسمية ولدى مخاطبة الهيئات الدولية. لكن هذا الاستخدام بقي نوعاً من المسايرة اللفظية أكثر مما هو تعبير عن تطلع حقيقي. هناك أيضاً دول ساندت الحراك الشعبي في هذا البلد أو ذاك من دون ذكر كلمة الديموقراطية مكتفية بالإعلان الفضفاض وحمّال الأوجه عن دعمها لحقوق الشعب في مكان بعينه وليس في كل مكان.

من المستحسن أن يبقى الانطباع المذكور في حدود ما ينجم عن مشهدية عابرة بصخب وعنف وإن كانت حافلة بالدلالات. بعبارة أخرى، سيكون ضرباً من التسرّع إطلاق حكم قيمة إجمالياً على تجارب في الانتفاض وكسر الصمت الخانق. صحيح أن هذا الانطباع يتعزز من تزايد الطلب على الاستقرار والأمن، أي من الشعور بالخوف من أن الوثبة الضرورية بلغت حداً من الفوضى والتذرر يجعلها أقرب إلى قفزة في المجهول مما يستوجب الاستدارة والانكفاء على الموجود وتقبّله، بل حتى الاكتفاء به. سنسارع أيضاً إلى التشديد على أهمية عدم التعميم، وعلى ضرورة رصد كل حالة من حالات الانتفاض وفقاً لترسيمة المسار الخاص بهذا الكيان الوطني أو ذاك.

سنجدد القول، ههنا، بضرورة وضع الحالتين التونسية والمصرية على حدة. ففي هذين البلدين يبدو الإطار الوطني، في معنى الهوية الترابية والاجتماعية، أكثر تماسكاً ورسوخاً في مخيلة غالبية الفئات الاجتماعية والقوى الفاعلة، من حالات بلدان أخرى مثل ليبيا وسورية واليمن... وإذا كان لافتاً للنظر وجود نسبة كبيرة من التونسيين في صفوف التنظيمات الجهادية خارج تونس فإن هذه الظاهرة تبقى ضعيفة على المستوى السياسي وإن كانت قوية في دلالاتها السوسيولوجية المتعلقة بتدفق شبان من بيئات مهمشة ومقصيّة يتطلعون إلى دور وموقع يصعب تحقيقهما في الإطار الوطني، مما يعزز انجذابهم والتحاقهم بالحركات الجهادية الإسلامية المعولمة.

كيف نفسّر ضعف الطلب على الديموقراطية في مجتمعات شهدت وكابدت، وفق مسارات تاريخية وتحولات اجتماعية خاصة بكل بلد، تحديات الحداثة ومستلزمات الخوض الحتمي فيها منذ قرنين تقريباً مروراً بتجربة «التنظيمات» العثمانية وما يناظرها وصولاً إلى الاستقلال الوطني بعد الحرب الثانية؟. لا يعني هذا أن فكرة الديموقراطية غائبة تماماً عن منظار كل قوى وفئات الحراك الاحتجاجي. فهناك بالتأكيد، خصوصاً في أوساط الطبقة الوسطى المدينية والمتعلمة وفي صفوف القوى اليسارية والليبرالية، تحديداً في مصر وتونس وسورية، أفراد ومجموعات يتطلعون بصدق إلى بناء نظام ديموقراطي. من المؤسف أن يكون وزن هؤلاء ضعيفاً بالنظر إلى محادل التشكيلات والحركات الكبيرة المسكونة بهاجس الهوية الأصلية للجماعة.

أياً يكن الحال ليس ترفاً فكرياً أن نطرح السؤال حول قلة الانجذاب إلى الفكرة الديموقراطية التي يفترض أن تكون الوصفة المناسبة للتخلص من الحكم التسلطي والنخب المتغوّلة. من شأن هذا السؤال أن يلقي الضوء على وجوه بارزة من «اضطراب» ثقافتنا الحديثة السياسية والحقوقية ومن التباس الوظيفة القرابية في أشكال تنظيمنا الاجتماعي وذوبان الأفراد في كيانات جماعية وعصبيات «طبيعية» طائفية وقبلية وإتنية.

يبدو أنه لا مناص من طرح السؤال لمن يرغب في مراجعة نقدية لسنوات حراك حارق ومسدود الأفق. وليس مستغرباً أن تكون التفسيرات والتأويلات متنوعة ومتباينة إلى حد التقابل. فالعثور على تسويات وتوافقات ليس أمراً سهلاً بالنظر إلى حجم الخراب والتهاب المشاعر. في قلب هذه التفسيرات المتضاربة نجد بطبيعة الحال دور الإسلام السياسي عموماً والسلفيات الجهادية خصوصاً والتباس العلاقات بينهما. هناك مثلاً مقولة شائعة في بعض بيئات المحدثين تتهم الإسلاميين بخطف الحراك ومصادرته وعطفه بالقوة عن مساره الطبيعي المفترض القريب من «الحتمية التاريخية» في أدبيات اليسار الماركسي ومن عالمية العقل والأنوار في أدبيات الحداثة الليبرالية. هذه المقولة المريحة تفترض أن الإسلاميين تسللوا إلى الحراك أو هبطوا بالمظلات من كوكب آخر للاستيلاء على حقل فعل تاريخي دشّنه آخرون. هذا مع أن الانتخابات التي أجريت بنزاهة للمرة الأولى في تونس ومصر أظهرت بوضوح سعة القاعدة الشعبية للإسلاميين وحصولهم بسهولة على أكثر من نصف أصوات الناخبين، خصوصاً في الأرياف والمدن الصغيرة والأحياء الفقيرة في المدن الكبيرة.

لنقل إن المشكلة تقع في مكان آخر. فالديموقراطية تقوم، بحسب أفضل التوصيفات، على ثلاثة مكونات أو أبعاد تتقاطع حولها وتفترق منظومات فكرية وسياسية كالليبرالية والجمهورية والسلطة الشعبية المباشرة. البعد الأول، العزيز على الفكر الليبرالي، هو وضع حدّ للسلطة المطلقة أياً كان مصدر شرعيتها وذلك من خلال فرض قوانين وتشريعات تضمن احترام الحقوق الأساسية والطبيعية للبشر. البعد الثاني هو المواطنية التي تفترض تحويل الرعايا إلى كيانات فردية من حقها، بل من واجبها، أن تشارك وتتدخل في صياغة الفضاء العام والمشترك. البعد الثالث يقوم على التمثيل الشرعي لمصالح الأكثرية الاجتماعية والانتخابات الحرة والنزيهة بصفتها الوسيلة الإجرائية المثلى لاختيار ممثلي الشعب ومحاسبتهم. هناك شروط أخرى تتعلق بالفصل بين الدولة والمجتمع السياسي والمجتمع المدني.

تقوم الديموقراطية على الجمع والتوليف، المتناغم بهذا القدر أو ذاك، بين هذه المكونات. لا يتحقق هذا التوليف إلا في إطار وطني عبّرت عنه طويلاً الدولة- الأمة ويستلزم نمواً ذاتياً لا يمليه الخارج.

من المفيد أن نتفحص التمثيلات الشائعة لكل مكوّن وفقاً لخصوصية مجتمعاتنا كي نقيس المسافة مع الديموقراطية، خصوصاً علاقة الداخل والخارج.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة