|   

النسخة: الورقية - دولي

لم تعد المشكلة في احتواء البيض المسوّق في بلدان أوروبية متقدمة (سويسرا، ألمانيا، السويد، بريطانيا، بلجيكا، هولندا، فرنسا...) على مادة لمكافحة الحشرات والفطريات التي تنمو على جلود الحيوانات (فيبرونيل) يحظّر استخدامها على الحيوانات المعدة للاستهلاك البشري لسمّيتها العالية، بل المشكلة أن الكثير من المواد الغذائية التي تباع معلبة يحتوي على البيض، ما يعني أن حجم الكارثة الصحية والغذائية الأخيرة عظيم.

الفيبرونيل مادة سمية اصطناعية تصنّعها شركة فرنسية منذ التسعينات. للمنتَج تأثير على الأعصاب تقدر منظمة الصحة العالمية خطره بالمتوسط، ولكنه يضر بالكلى والكبد والغدة الدرقـــية. وقد أثــــيرت منذ مطلع الألفية شكوك حول مسؤوليته عن إــبادة النـــحل المتعاظمة، ولكن بعض استخداماته لم تُعلّق إلا بعد ذلك بعشر سنوات.

وأما النحل (الأساسي في دورة الحياة الزراعية إذ يقوم بعملية التلقيح، وبفقدانه ستختفي مئات المنتوجات الزراعية الغذائية)، فأبيد اليوم فعلاً أو يكاد «بفضل» هذه المادة وبفضل مواد سمية زراعية أخرى تنتجها شركة «مونسانتو» الأميركية العملاقة التي تسعى للاندماج مع شركة عملاقة أخرى هي الألمانية «باير»، بتوظيف يقدر بـ66 بليون دولار، ما يعني ولادة وحش يسيطر عالمياً بصورة محكمة على إنتاج المواد الزراعية والصناعة الكيماوية المرتبطة بها. مونسانتو السيئة السمعة (انتجت مثلاً «البودرة البرتقالية» التي كان يفترض أنها للزراعة ولكنها استخدمت كسلاح كيماوي في الحروب التي شنتها الولايات المتحدة، وبالأخص في فيتنام) كانت تواجه الحملات ضدها بمنطق معبر: ليس مؤكداً ضرر مبيد «راوند أب» (مثلاً)، والأمر بحاجة لمزيد من الدراسة، ولا يمكن بانتظار النتائج تعليق تسويق المادة لأن في ذلك اعتداء على حرية التجارة وتدخلاً تعسفياً من السلطات السياسية! وأما نسب الإصابة بأشكال مختلفة من السرطانات لدى المزارعين الذين يتعاملون مع المبيد الحشري، بل بين العاملين في المختبرات المنتجة له والتابعة للشركة نفسها... فلا تهم.

المهزلة مستمرة على رغم حملات تقوم بها هيئات ومنظمات مدنية تجمع مئات ألوف التواقيع. منتج «راوند أب» من مونسانتو ما زال مسوقاً، وهناك لوبي في الاتحاد الأوروبي يحول دون حظر تسويقه... وهكذا.

«هكذا» تلك، تحمل اسم منتج آخر هو «ديكامبا» انتجته مختبرات مونسانتو أخيراً ووظيفته القضاء على كل الزراعات التي لا تأتي بذورها من هذه المختبرات. ذلك أن مونسانتو كانت رائدة في إنتاج البذور المعدلة جينياً، ولكنها تنتقل اليوم إلى مرحلة أعلى في الحرب الاحتكارية!

عند انكشاف فضيحة البيض، التي انطلقت من بلجيكا وهولندا قبل أيام، أُعدمت 300 ألف دجاجة بائضة، وهناك عشرات ملايين البيض التي سُحبت من السوق وأتلفت، كما تشمل الفحوصات المخبرية الحالية لحم الدجاج المعد للاستهلاك، والإصابات حتى في البيض المنتج بطريقة عضوية، لأن العديد من المواد المجازة في الاستخدام الزراعي تحوي نسباً متفاوتة من المادة السامة.

وللمصادفة، فقد عقدت المنظمة الفلاحية «الطريق الريفي» (La Vía Campesina ) مؤتمرها العالمي السابع قبل أيام من انكشاف الفضيحة الجديدة، في الأسبوع الأخير من تموز (يوليو) الفائت. وقد يقال أنه ليس في الأمر أي مفاجأة، فلو عقد هذا الاجتماع في أي وقت من السنة لكان صادف فضيحة غذائية ما، قد لا تبلغ حجم هذه الأخيرة وما تمثله من تهديد لسلامة الصحة العامة للمستهلك الأوروبي المترف نسبياً، فيما اعتاد المستهلكون في البلدان الطرَفية والفقيرة على تناول أسوأ المواد الغذائية وعلى انتشار الأمراض القاتلة. كما لم يبلغ الوعي الصحي من جهة والقدرة على الاحتجاج من جهة ثانية في بلد هائل الحجم كالصين مستوى يتيح للناس مقارعة الكارثة الغذائية والبيئية الواقعة هناك، والمصدَّرة هي الأخرى إلى العالم.

أعلنت «الطريق الريفي»- التي تضم منظمات معنية بالإنتاج الغذائي من العالم كله، يبلغ عددها حوالى 170 منظمة وعدد أعضائها حوالى 250 مليون فلاح ومزارع وصياد ومربي حيوانات وعامل بلا أرض- شعار مؤتمرها الأخير: «نحن نغذي شعوبنا وفي الوقت نفسه نبني حركة هدفها تغيير العالم». وتؤكد في صدر بيانها الختامي أن سيطرة رأس المال المالي منذ عقود أدت إلى مصادرة المياه والبذور والأرض، وأن هذا النمط يستخدم تقنيات خطرة ويمكن لنتائجها ألا تكون قابلة للاستلحاق، كما في حال المواد المعدلة جينياً، والإنتاج الحيواني على مستويات صناعية والبيولوجيا المفبركة. ويقول البيان الختامي إن «هؤلاء الذين يحتكرون الموارد هم في حرب ضدنا، غالباً بواسطة منظمة التجارة العالمية والبنك وصندوق النقد الدوليين واتفاقيات التبادل الحر والقوانين التي تخصخص الملك المشاع والعام (الأرض والمياه) التي يؤدي اعتبارها سلعاً إلى تدمير الحياة على الأرض».

وكأنما كان البيان في عجلة من أمره، فإذا به ومنذ سطوره الأولى يعلن «نحن متضامنون مع الشعب الفلسطيني ومع الشعوب الأخرى التي تتألم والتي تقاوم هذه الإملاءات». ثم ينتقل لتناول مسألة الهجرة من منظور أسبابها وجذورها الفعلية وليس بصفتها ملفاً أمنياً. كما يهاجم ما سمي «الثورة الخضراء»، معتبراً أنها لم تكن لا ثورة ولا خضراء، بل كانت شعاراً لإفساح المجال أمام سيطرة الصناعة الزراعية التي سممت الأرض واقتلعت الغابات ولوثت المياه...

مع أن أفريقيا هي آخر القارات التي انضمت إلى المنظمة الريفية في 2004، فقد كانت مشاركة المنظمات الأفريقية السوداء (أفريقيا الجنوبية وزيمبابوي ومالي والسنغال...) ملحوظة بمقدار مشاركة المنظمات الأميركية اللاتينية وبعض الآسيوية (الهند وإندونيسيا والنيبال...). وأما مشاركة البلدان العربية (خلا ربما المغرب وفلسطين) فكانت منعدمة، ولعل العجز في خلق الروابط هنا مرده إلى غياب التنظيم النقابي في هذا الميدان وهيمنة الحروب بكل أشكالها على الحياة.

... لا يتعلق الأمر بالاكتراث بمؤتمر أو بمنظمة نقابية مهما كان حجمها هائلاً، بل بما يمكن اعتماده من أدوات كفيلة بمقارعة الكارثة الغذائية والبيئية والصحية الزاحفة بقوة على الأرض، واعتبار أنها- على رغم التقدم الذي حققته والمتسارع في شكل مرعب في السنوات الأخيرة وفق منطق المتوالية الرياضية- ليست قدراً... حتى الآن على الأقل، وقبل أن يفوت حقاً الأوان.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة