|   

النسخة: الورقية - دولي

نحو ربع قرن يفصل ما بين ذاكرة الموت للحرب البشعة في رواندا والواقعٍ الراهن في شأن أرض الضحايا للحرب المتوحشة في سورية. الأولى بلغت ذروتها في نيسان (أبريل) 1994 حين أبادت قبائل الهوتو نحو 800 ألف من التوتسي وأقليات صغيرة أخرى خلال مئة يوم. ضحايا الحرب السورية يقدرون بنحو نصف مليون يسقطون على دفعات منذ 2011، ولا يبدو في الأفق ما يوحي بنهاية سريعة لذلك، ما أدى إلى إعلان المدعي العام الدولية، كارلا دلبونتي عن استقالتها لوصول جهودها إلى طريق مسدود.

كارلا دلبونتي، المحامية السويسرية، كُلِّفَت من قبل مجلس الأمن بمهمة النظر في جرائم الحرب في سورية قبل خمس سنوات، لكنها الآن تتهم الجهة التي كلفتها بالمهمة بـ «العجز» و «التفاهة». فاللجنة الدولية التي مهمتها التحقيق في خروقات حقوق الإنسان (وهذا تعبير مهذّب لوصف أعمال القتل والتعذيب والنهب المستمرة) في سورية، لم تنجز أي شيء من تلك المهمة. دلبونتي مدعي عام ذائعة الصيت وصاحبة تجربة خارقة في التحقيق في جرائم رواندا ويوغسلافيا السابقة، تقول التالي: «أشعر بالخيبة، ولذلك أتنحى عن مهمتي... أمام تــــقاعس مجلس الأمن. ليس لدي أي سلطة... جميع الأطراف في سورية متورطة. حكومة الأسد ارتكبت جرائم مذهلة ضد الإنسانية واستخدمت أسلحة كيماوية، والمعارضة تتكون راهناً من المتــطرفين والإرهابيين. لم أشــهد مثل جرائم ســـــورية سابقاً ولا حـــتى في روانــدا ويـــوغــسلافيا. سورية محرومة من العدالة».

في كل حال، وقف إطلاق النار الأخير في بعض المناطق يسجل خطوة مهمة في التنسيق الروسي- الأميركي، ولكن السؤال الأهم: هل سيوصل تكتيك الخطوة- خطوة الحرب المتوحشة إلى نهايتها. فلا سبيل جنيف ولا طريق آستانة وصلا إلى أي نتائج في هذا الخصوص، فلمَ التفاؤل الآن؟ وبدلاً من حماية مبادرة موفد الأمم المتحدة إلى سورية ستيفان دي ميستورا، ها هي موسكو وواشنطن بتأييد مجلس الأمن، تتخليان عنها وتدفعان باتجاه الحل بالتقسيط، إذ بات المطلوب الأول، الرئيس بشار الأسد، يشعر باطمئنان شديد على مستقبله أكثر من أي وقت مضى منذ 2011.

فهو يقول بثقة، وبدعم إيراني وروسي مباشر، إن مهمة دي ميستورا «باتت من الماضي»، وليس هناك «غير سبيل مناطق خفض التوتر للحل» المنطلق بمبادرة من روسيا وإيران وتركيا والذي أيدته لاحقاً إدارة دونالد ترامب. لا يلام الأسد على الثقة بالنفس ما دام أصحاب القرار الدولي باتوا يميلون إلى فكرة أنه من الممكن التعايش مع نظامه لفترة أخرى ولو كانت محدودة. وها هو الرئيس الجديد لفرنسا، التي كانت منذ 2011 في مقدمة المطالبين بتغيير النظام في دمشق، يردد في شكل مقزز أن الأسد يمكن أن يكون جزءاً من الحل في سورية.

لسوء حظ سورية وأهلها أنه سُمِحَ لحربها المتوحشة أن تستمر في شكل أعمى من دون أي أهداف واضحة في الأفق ومن دون مجموعة مبادئ محددة لصوغ النظام البديل. مأساة هذه الحرب ليس فشلها في تقديم نتائج نهائية لها ولا معرفة من ينتصر فيها فحسب، بل إن جُلّ ما قدمته إلى العالم حتى الآن هو الضحايا.

نحو نصف سكان سورية إما قُتلوا أو هُجِّروا، مع تقدير نحو نصف مليون قتيل ونحو خمسة ملايين لاجئ في دول الجوار السوري، ما عدا من تمكن من الوصول إلى أوروبا، وخمسة ملايين آخرين نزحوا داخل بلادهم. وتقدر الأمم المتحدة أن جيلاً بأكمله من أطفال سورية حُرِموا، وإن بدرجات متفاوتة، من التعليم. وهذا يحدث تحت سمع وبصر العالم، ما يزيد من صعوبة فهم المسألة، في وقت يتعرض فيه وطنٌ برمته للتمزق يوماً تلو الآخر.

ويبقى التساؤل: ما هو شكل سورية الجديد، بل هل هناك شكل جديد لسورية المستقبل لدى المتورطين الكبار في حربها المتوحشة؟ أمام استحالة العودة إلى شكلها القديم، أي حكومة مركزية في العاصمة تحكم كل سورية، لأن مثل هذا الحل يُعتبر معجزة، وفي واقع تندر فيه المعجزات، هل الحل سيكون فيدرالياً، كونفيدرالياً، على شكل أقاليم منفصلة مع إدارة ذاتية؟ ففي غياب المنتصر أو المنتصرين، ستواصل الغالبية الساحقة من السوريين، بمن في ذلك من يعيشون في أراضي سلطة النظام، دفع ثمن باهظ كماً ونوعاً.

وكذلك سيفعل من هم خارج سورية إذ وصلت ترددات هذه المأساة إلى أوروبا، أكان من خلال تدفق المهاجرين الذين وصلوا إلى ألمانيا، أو عبر من حُجزوا منهم داخل تركيا القابعة عند بوابات الاتحاد الأوروبي والمتورطة بعمق في الحرب السورية. فالقوات التركية تتحرك بحرية كاملة في الشمال السوري حتى أطراف إدلب، حيث لا هم للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سورية في الحقيقة غير التأكد من أن لا يميل ميزان الترتيبات المقبلة في شمال- شرق البلاد لمصلحة أكرادها، وليس نوع الحكومة المنتظرة في دمشق. همه الأول والأخير هو كيف ستكون عليه التركيبة الديموغرافية والسياسية في شمال البلاد.

في هذه الأثناء ثمة ترتيبات ثلاثية الأطراف يشارك فيها الأردن مع روسيا والولايات المتحدة في مناطق الجنوب السوري. ويبدو أن وقف النار في هذه المناطق الذي أعلن عنه وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون من قمة العشرين في تموز (يوليو) الفائت، جاء عقب سلسلة من المشاورات السرية على مدى أشهر عدة بين الأطراف الثلاثة. وحرص الأميركيون على أن تكون إسرائيل على إطلاع على ما كان يجري من مناقشات لقرب جنوب- غرب سورية من مرتفعات الجولان المحتلة.

هذه التطورات تعكس إنجاز خطوة جوهرية على صعيد التعاون بين واشنطن وموسكو. لقد قال تيلرسون بوضوح إن لدى بلده وروسيا الأهداف نفسها من وقف النار، وكان ذلك التصريح أول إشارة إلى وجود تصور مشترك لمسار الأمور نحو سورية المستقبل. ولكن يبقى السؤال قائماً حول ما إذا كان تكتيك الخطوة- خطوة سيضع نهاية عملية للحرب البشعة؟!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة