|   

النسخة: الورقية - دولي

في خلفية المقاربة الغربية للشأن السوري أن القضاء على «داعش» يقتصر على محاربته أمنياً في الغرب، وسحقه في سورية والعراق مهما كان الثمن مكلفاً على المدنيين وعمرانهم. أما تنظيم بشار الأسد فكان ممنوعاً إسقاطه عسكرياً بدعوى ضرورة الحل السياسي، حتى إذا تأخر وعُرقل، أو لم يأتِ إطلاقاً.

هذه المقاربة، من وجهة نظر سياسية بحتة، تقع في تناقض أساسي. فإذا كان تنظيم «داعش» ينتمي إلى العدمية السياسية، بحيث تمتنع معه أي عملية سياسية، فإن تنظيم الأسد ينتمي إلى المدرسة ذاتها بما أنه قائم أساساً على منع السياسة في الداخل، وأثبت منذ الثورة عليه أنه ممتنع على السياسة خارجياً أيضاً، ولم يتزحزح في أي مرة إلا تحت تهديد مباشر من الحلفاء أو خصومهم.

تفضيل تنظيم بشار فقط لأنه لا يهدد الغرب مباشرة، حتى مع تهديده الصريح في بدء الثورة بطوفان من الإرهابيين سيغزو الغرب، يكشف أولاً عن رؤية قصيرة المدى إزاء أمن الغرب. لا يكفي لتفسيرها الاستمرار في القول أن الغرب يريد الحفاظ على التنظيمات المتطرفة أو يقوم بصناعتها، فهذا القول يضع نخَبه في مرتبة كليّة القدرة والمعرفة والخبث، ويضع مجتمعاته المتضررة من الإرهاب في الجهة المقابلة من العجز والجهل والسطحية.

بخلاف ذلك القول، أثبت كثير من الانتخابات الغربية أخيراً ضيق تلك المجتمعات بنخبها التقليدية وسياساتها، وإن لم يتوافر أفق بديل أفضل حتى الآن. ثم لا يمكن اختزال العلاقة بين الغرب والشرق بخطر التنظيمات الجهادية، فهناك على الأقل راهنية قضية الهجرة واللجوء بتأثيراتها المتعددة في المجتمعات المضيفة.

قد يصح الافتراض بأن الغرب يعيش عصر ما بعد السياسة، بمعناها الذي شهدناه بعد المرحلة الكولونيالية. اليوم، على امتداد دول الغرب، ليس هناك مشروع سياسي جديد، يملك طموحاً داخلياً يستقطب الاهتمام، أو طموحاً كونياً ولو بدافع المصالح الوطنية وما يقتضيه توسعها من غطاء فكري وأخلاقي. انقرضت سريعاً جدالات قريبة العهد مثل ذلك الجدال بين أنصار العولمة وأنصار العالمية، وبهت المعنى المعهود لليسار واليمين معاً، فلا يمين يتقدم على رغم كلفته الاجتماعية الباهظة على غرار الثاتشرية، ولا يسار يتجدد بعد تراجعه وخسارته على نحو ما فعل حزب العمال البريطاني مع صعود موجة توني بلير.

في مركز القيادة الغربي، لا صلة قرابة كانت تجمع بين باراك أوباما وسلفه الديموقراطي بيل كلينتون، وبخلاف نهج الديموقراطيين المعتاد إزاء قضايا داخلية، استهل أوباما الانعزالية الأميركية التي تجد نسختها الشعبوية مع الرئيس الحالي ترامب. مع الأخير والاستقالات والإقالات في طاقمه، نجد تهافتاً غير مسبوق لأي إدارة أميركية، وربما لأي حكومة غربية على الإطلاق. التراجعات التي أبدتها إدارة ترامب تحت الضغط لا تعكس فقط قوة «الاستبلشمنت» الأميركية، كما يصورها كثر بمن فيهم ترامب نفسه، بمقدار ما تعكس غياب نهج سياسي متماسك للإدارة، ولعل التراجع في ملفات غير خلافية (أو عدم وجود سياسة من الأصل) يوضح ذلك.

في عصر يُوصف بزمن تراجع وسائل الإعلام التقليدية لمصلحو وسائل التواصل الاجتماعي، لا مغامرة كبيرة في القول أن ذلك لا يتوقف عند حدود السلطة الرابعة. وإذا كانت موجة «البَعْديات» التي انتعشت مع مقولات ما بعد الحداثة قد تراجع التنظير لها في العقدين الأخيرين، فربما نعيش ارتداداتها الآن في حقل السياسة، وقد يحضر أيضاً اليوم ذلك التلاقي بين ما قبل الحداثة وما بعدها، التلاقي الذي لا يعكس تكافؤاً معرفياً، كما كانت الحال بين نقد الغرب المركزية الأوروبية وبعض مظاهر معاداتها خارج الغرب. قد تكون العدمية السياسية بعضاً من أوجه التلاقي الجديد، وإذا كانت موجة الشعبوية الحالية تعبّر عن عدمية آتية من تخمة سياسية غربية فهي، في المقلب الشرقي، آتية من انعدام السياسة، ولن يكون مستغرباً أن يجمع «داعش» عدمية تخمة السياسة وعدمية انعدامها معاً.

وكما ظهر في بعض المناسبات، أهمها إلى الآن الانتخابات الرئاسية الفرنسية، لا تعني مواجهة الشعبوية (بوصفها تعبيراً عن العدمية السياسية) انحيازاً إلى زمن السياسة التقليدي. هنا، قد نجد تلاقياً للخوف بين طرفين متصارعين، أحدهما متخوف من العدمية السياسية الغربية التي يُنذر بها اليمين الشعبوي، وثانيهما خائف من العدمية الجهادية المشرقية التي يهدد ويستقطب بها اليمين مؤيديه.

تركُ سفاح مثل بشار الكيماوي طليقاً ومستمراً في الإبادة، وتنمّر نظيره الكوري النووي في إجراء تجارب على القنبلة الهيدروجينية مع انعدام الثقة بعقلانية إدارته ذلك السلاح المرعب، أمران يؤشران إلى مأزق السياسة في الغرب الآن. قد يُشار إلى مجازر لطغاة، أو مجازر في حروب أهلية صمت عنها العالم من قبل، لكنها حدثت في ظروف مختلفة، إما بسبب انقسامات الحرب الباردة، أو لوقوعها خارج دائرة الاهتمام العالمي مثل مجازر رواندا وبوروندي، وبصرف النظر عن الواجبات الأخلاقية لم يحدث من قبل أن كان الغرب حاضراً كما هو الآن في سورية من خلال التحالف الدولي ضد «داعش»، وأبدى ما أبداه من تساهل لا في الأفعال فقط وإنما أيضاً في الألفاظ مع مجازر بشار.

لقد كان الغرب أنانياً وجشعاً في ما خص السجل الإنساني خارج حدوده، ولم يقصّر في ارتكاب الانتهاكات هناك، وفي الوقت ذاته كان ملهماً على صعيد المُثُل. حتى في الزمن الكولونيالي وجدت ثغرات للحديث عن دور تقدمي للاستعمار، ووجد بين أبناء المستعمرات من حاجج الغرب بقيم الأخير التي تقدمت لتصبح قيماً كونية. تجدر الإشارة إلى أن الكثير من مُثُل الغرب كان محمولاً أصلاً على نسق كوني، ولو أتى مدفوعاً بالمصالح التوسعية، ولم يُطرح كقيم لغرب منغلق على النحو الذي يُطرح حالياً مع استهانة قصوى بمن هم خارج المنظومة الغربية.

في عزّ موجات العداء له لم يظهر الغرب، بنخبه السياسية والثقافية، خالياً من المعنى كما هو الآن. موت السياسة، بالمفهوم المابَعْدي، ربما يختزل ذلك المأزق المركّب، من دون الذهاب به إلى قناعات قياميّة خارج عقلانية الغرب، ومن دون التبشير به كما يأمل أنصار ما قبل السياسة عندنا.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة