|   

النسخة: الورقية - دولي

يتناول بينالي العمارة، أغورا، في بوردو الفرنسية- ويعقد بين 14 الى 24 الشهر الجاري- التخطيط المدني وأحوال المدن والعمارة. وفي الماضي القريب، ارتبطت صورة المدن الكبيرة بمركز «جذاب» وحافل بالتاريخ، وحول المدينة ووسطها كان الريف يترامى. ثم حلت الضواحي منطقة أو حيزاً وسيطاً بين الريف والمدينة. واليوم، مركز المدن أو وسطها صار محمياً وأطرافها في تغير متواصل. فبعض الأطراف هذه ثري، وبعضها الآخر فقير. وتبدو الأطراف وكأنها منذورة لفوضى لا قاع لها. وفي باريس، برزت مدن جديدة تدور حول مراكز وأبقت على مسافات فاصلة من الحياة النباتية. ولكن الأمر انتهى بها إلى الاتصال في إقليم واحد. ولم يعد الحيز المكاني هذا ريفاً ولا مدينة. وائتلف منه مشهد جديد يسعى بينالي أغورا في بوردو إلى تناوله وفهمه وسبر أعماقه.

وليس البناء على الدوام مصادرة للطبيعة. وفي مصر واليونان القديمتين، كانت العمارة علامة رمزية على هيمنة الانسان. فأشكالها الهندسية طرأت على الطبيعة من خارج. وتعود صورة أخرى عن المشهد المديني إلى رؤى رسامين مثل كلود جيليه المسمى لو لوران في القرن السابع عشر. فهو كان يستسيغ إرساء معالم عمرانية في قلب الطبيعة ومزجها: الجمع بين حاجز الميناء وبين الصخور، والأعمدة... واستساغ الإنكليز أفكاره، فاستوحوا منها هندسة حدائقهم الذائعة الصيت التي كانت تحتفي بالطبيعة وتمجدها وتلفظ الأشكال الهندسية ومساراتها المحددة. وفي المدن الفرنسية، حال الطرق السريعة ومواقف السيارات ومناطق العمل، هي مرآة الحاجة إلى رؤية جديدة إلى المشهد المديني.

وأرى أن المدينة الناجحة هي تلك التي تلتزم مبدأ قديماً ساهمت أعمال الأناس (الانتروبولوجي)، جان- بيار فيرنان، في فهمنا إياه. فاليونانيون زينوا مبانيهم بنصبين: هيرميس، إله السفر والترحال، وهيستيا، آلهة الموئل. والحياة الطيبة تقتضي الجمع بين هيرميس وهيستيا: طرق مرور سائلة تحمل السكان الى بيوتهم. وفي المدن الأولى، كانت الموائل تنتشر على شكل عنقود، ثم ابتكر الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد، الشارع، وكان الابتكار هذا جوهرياً. فرُسم نسيج دوائر العلن، ثم قُسِّم. وهذا مفهوم المدينة الهوسمانية. وبعد الحرب الثانية، عوِّل على التقدم التقني جواباً على المشكلات كلها. وافتتن المعمار لو كوربوزييه بالنهج الصناعي، وأعلن «موت الشارع»، واعتبر أنه رواق قاتم وشريان أمراض. وأراد منتزهات تفصل بين الطرق السريعة التي تختص كل منها بمهنة ودور. ومن هذه الرؤية انبثقت نظرية الـzonage، التقسيم إلى مناطق مختصة. وصارت مدننا في مثابة متاهة يُنتقل فيها من قطاع إلى قطاع، من إقليم مختص إلى قطاع تقني. ولكن لا يخفى أحد أن المدينة هي واقع انتروبولوجي قبل أن تكون واقع تقني. فنحن نعيشها ونبتنيها ونختبرها اختبار الحيوانات المكان. وأقترح نموذج الجزر المشرعة بديلاً عن تقسيم مغلق على دوائر مناطق. وفي مثل هذه الجزر، لا يعود الشارع ممراً بل حيزاً مشرعاً على جزر حدائق، على ما فعلت زوجتي إليزابيت، المعمارة بدورها، وأنا، في ماسي، جنوب باريس الكبرى. ويحتضن الحي هذا، المساكن والمراكز تجارية ومركز مؤتمرات ومدرسة وسينما. والأبنية المختلفة تتناسل وتطل على جزر حدائق، ومن ائتلافها يولد التنوع والحياة. وليس «تحرير» مساحات في قلب المدينة من العمارة تبديداً أو ترفاً. فالكثافة السكانية في مشروعنا تفوق نظيرها في باريس الهوسمانية. والترف يلقاه المرء في بواطن العمارة: فالضوء يدخلها وهي مطلة ومشرعة على الحدائق.

 

 

* معمار، مخطط مديني، عن «ليكسبريس» الفرنسية، 6/9/2017، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available