|   

النسخة: الورقية - دولي

عقد في مدينة آستانة عاصمة جمهورية كازاخستان، يومي 10 و11 أيلول (سبتمبر) الجاري، مؤتمر القمة الأول حول العلوم والتكنولوجيا لمنظمة التعاون الإسلامي، الذي جاء انعقاده في ظرف عصيب يمر به العالم الإسلامي، وبعد مرور عقدين من الزمن على اعتماد مؤتمر القمة الإسلامي الثامن المنعقد في طهران سنة 1997، لاستراتيجية العلوم والتكنولوجيا والابتكار، التي وضعتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة- إيسيسكو، وبعد تسع سنوات من مصادقة المؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء التعليم العالي والبحث العلمي المنعقد في باكو عاصمة جمهورية آذربيجان سنة 2008، على تجديد تلك الاستراتيجية.

فهذه الاستراتيجية الأولى من نوعها التي وضعت في إطار العمل الإسلامي المشترك، كانت ولا تزال، هي القاعدة الأساس لهذا المشروع الحضاري الكبير حول تطوير العلوم، وتوطين التكنولوجيا، والتشجيع على الابتكار، والنهوض بالبحث العلمي على جميع المستويات.

ولا شك في أن اختيار العلوم والتكنولوجيا موضوعاً فريداً لهذا المؤتمر، يعبّر في حقيقة الأمر، عن قدر وافر من الوعي السياسي الرشيد والفهم العميق للضرورات الملحة بشدة، للخروج من المرحلة الحالية حيث لا يَـتَـجَاوَزُ معدل الإنفاق على البحث العلمي في غالبية الدول الأعضاء السبع والخمسين، واحداً في المائة!

وإذا كانت هذه القضايا الرئيسة هي موضع الاعتبار والاهتمام والدراسة، في حدودها الدنيا، على صعيد العمل الإسلامي المشترك، فإن من شأن عقد مؤتمر القمة الأول لمنظمة التعاون الإسلامي حول العلوم والتكنولوجيا، أن يعطي دفعةً قويةً للجهود المبذولة في هذه المجالات الحيوية، مما سيعزّز لا محالة فاعلية العمل الذي تنهض به الإيسيسكو.

لقد جاءت قمة آستانة في فترة تصاعدت فيها التحدّيات التي تواجه العالم الإسلامي، فهي لم تنطلق من فراغ، فالإنجازات العلمية التي تحققت في إطار العمل الإسلامي المشترك تشكل أرضية صلبة لتنفيذ خطة العمل للعلوم والتكنولوجيا التي ستعتمدها القمة. وبمراجعة للوثائق المعتمدة في هذا الإطار، نجد أن الإيسيسكو قد وضعت أربع استراتيجيات علمية قطاعية، تدخل في صلب اختصاصات استراتيجية العلوم والتكنولوجيا والابتكار، هي: استراتيجية تطوير التقانة الأحيائية في العالم الإسلامي، التي اعتمدها مؤتمر القمة الإسلامي العاشر المنعقد في بوتراجايا بماليزيا سنة 2003، واستراتيجية تدبير الموارد المائية في العالم الإسلامي، التي اعتمدها أيضاً، مؤتمر القمة الإسلامي العاشر، واستراتيجية تطويـر الطاقات المتجددة في العالم الإسلامي، التي اعتمدها المؤتمر الإسلامي الثالث لوزراء البيئة المنعقد في الرباط سنة 2008، واستراتيجية تطوير تكنولوجيا النانو في العالم الإسلامي، التي اعتمدها المؤتمر الإسلامي الخامس لوزراء التعليم العالي والبحث العلمي المنعقد في كوالالمبور سنة 2010.

إن المنعطف الدقيق الذي يمرّ به العالم الإسلامي خلال هذه المرحلة الحرجة، يحتم مراجعة السياسات العلمية المعتمدة في الدول الأعضاء، وإيلاء أكبر قدر من الاهتمام للرفع من معدلات الإنفاق الحكومي على البحث العلمي، ولتشجيع القطاع الخاص على الإسهام في دعم جهود البحث العلمي. وفي السياق نفسه، فإن من أهم التحدّيات التي يجب علينا مواجهتها، تكاثر أعداد الخريجين من الشباب غير المؤهلين علمياً وتقانياً، والعمل على تأهيلهم وتدريبهم، وإدماج آليات تعليمية مساندة لتطوير العلوم والتكنولوجيا في المراحل الأولى من التعليم، وجعلها أداةً مشجعةً لاستثمار الموارد البشرية التي باتت تمثل العنصرَ الرئيسَ للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، ولمواكبة التطورات العالمية المعاصرة والمستقبلية.

ومن خلال الرؤية الاستراتيجية إلى مستقبل العالم الإسلامي، فإن هذه القمة يمكن أن تكون بدايةً لانطلاقةٍ جديدة مبتكرة ومتطورة للعمل الإسلامي المشترك في مجال العلوم والتكنولوجيا، إذا ما تضافرت الجهود على شتى المستويات لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.

إن هذه القمة حول العلوم والتكنولوجيا، لا ينبغي أن تمر كما مرت قمم سابقة من دون أن تكون بداية جادة لمرحلة متطورة من العمل الإسلامي المشترك القائم على قواعد راسخة من الدراسة والتخطيط.

 

 

* أكاديمي سعودي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available