|   

النسخة: الورقية - دولي

بعد عزلة سياسية واقتصادية استمرت نحو 34 سنة، يتطلع السودانيون باهتمام كبير إلى 12 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، لتنفيذ تحرر بلادهم الكلي من قيود المقاطعة التي قادتها الولايات المتحدة منذ أيلول (سبتمبر) 1983، عقب إعلان الرئيس السوداني السابق جعفر محمد نميري ما أطلق عليه آنذاك «قوانين الشريعة الإسلامية»، الأمر الذي يمكن السودان من الانفتاح على العالم، مستفيداً من علاقاته العربية التي ساهمت في إعادة تدفق الاستثمارات إلى مختلف قطاعاته الاقتصادية، فضلاً عن استعداد أميركي وأوروبي وروسي وصيني، لتنفيذ سلسلة مشاريع استثمارية في الزراعة والصناعة والتجارة والنفط والمعادن بما فيها «الذهب»، وما يحتويه البحر الأحمر من ثروات.

دفع السودان ثمناً غالياً لهذا العزل السياسي والاقتصادي، والذي أدى إلى هروب الاستثمارات وتراجع مستوى دخل الفرد وارتفاع نسبة الفقر إلى 46.5 في المئة، وتدهور القطاعات الاقتصادية خصوصاً الصناعة والزراعة والتجارة والمال والمصارف. وبرزت في مقابل ذلك تجارة السوق السوداء ولا سيما بالعملة الصعبة، ما أفقد الجهاز المصرفي واحداً من أهم مصادره وساهم في تدهور قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار ونسب التضخم.

لذلك يحرص السودان، في إطار التحضير لمرحلة ما بعد الرفع الكلي للعقوبات الاقتصادية الأميركية، على إعادة العلاقات المصرفية مع المراسلين وبنوك العالم، وقد دشنت فروعاً لمصارف سودانية في دول عربية وآسيوية وأوروبية لتسهيل التعاملات المالية مع الخارج بالعملات الحرة. ووقعت الخرطوم اتفاقات ثنائية للتبادل المالي مع مراسلي بنوك خاصة في الإمارات وألمانيا وبيلاروسيا، وتجري محادثات مع بنوك خليجية لتكون مراسلة للسودان في الخارج. وحصل «بنك الخرطوم» على الرخصة النهائية لمزاولة العمل المصرفي وفتح فروع له في دولة الإمارات، وذلك بعد استيفائه المتطلبات الأساسية المتعلقة بالأنظمة الرقابية والتجارية مع العلم أن السودان كان يواجه صعوبات في معاملاته المالية والمصرفية بسبب العقوبات، ما اضطره إلى مخالفة الأنظمة المالية والتجارية العالمية، حتى تم تصنيفه من الدول «ذات الأخطار العالية في غسل الأموال». ولكنه لجأ أخيراً إلى اعتماد برنامج تدريبي شامل لمكافحة الفساد داخل الشركات والمؤسسات الحكومية، سينطلق الشهر المقبل. ولوحظ أن الشركات الأميركية بدأت تتجاوب مع الإجراءات السودانية، بإعلان عدد من البنوك التجارية الأميركية موافقته على استقبال وإرسال التحويلات المالية من السودان وإليه.

وإذا كان النفط هو السبب الرئيس للحصار الاقتصادي، فقد خسر السودان نتيجة تأخر استغلاله لأكثر من 15 سنة نحو 100 بليون دولار، حتى توج هذا الحصار بانفصال الجنوب في تموز (يوليو) 2011، وانفصلت معه عائدات نفطية تزيد على سبعة بلايين دولار سنوياً. وبدلاً من أن يرفع الحصار الاقتصادي بعد الانفصال، فقد شهد البلد تأجيجاً للصراع في جنوب كردفان والنيل الأزرق، فضلاً عن منطقة دارفور. وللتعويض عن هذه الخسائر، قررت وزارة النفط في الخرطوم اعتماد خطة توسعية لزيادة إنتاجها من النفط بنسبة 50 في المئة خلال الفترة القليلة المقبلة، تشمل مشاريع استثمارية لاحتياطها النفطي البالغ 24.5 بليون برميل. وبما أن السودان ينتج حالياً فقط 115 ألف برميل، بعد انتقال ملكية 75 في المئة من الآبار إلى جوبا، من المنتظر أن تجري محادثات بين الخرطوم والجنوب لتطوير الإنتاج وزيادته لمصلحة البلدين. وإفساحاً في المجال أمام الشركات العالمية للاستثمار في السودان، مددت وزارة النفط موعد إقفال العرض الدولي لاستثمار 17 حقلاً للنفط والغاز والذي أعلنته في آذار (مارس) الماضي، إلى تشرين الأول المقبل، متزامناً مع موعد رفع العقوبات وتلبية لطلب شركات أميركية وأوروبية، كذلك أطلقت الوزارة رسمياً نشاط الشركة الوطنية السودانية للنفط (سودابت) كأول شركة سودانية لقيادة قاطرة الإنتاج النفطي وتوطين الصناعة النفطية.

أما على صعيد التجارة الخارجية، فقد أبرم السودان اتفاقات لتأسيس مناطق تجارية حرة، أهمها مع المنظمة العالمية للمناطق الحرة في دبي، وتضمن تقديم الدعم الفني والخبرات والاستشارات، وجذب الاستثمارات، وإنشاء شراكات داخل المناطق الحرة في البلد. وفي هذا المجال تؤكد المنظمة العربية للتنمية الصناعية (يونيدو)، أن أهداف المنظمة وبرامجها التي تضم ثلاثة آلاف منطقة حرة وستة ملايين شركة تساهم في التجارة الدولية، وعضوية 75 دولة، هي دعم السودان الذي يتميز بموقع جغرافي وطريق ربط قاري ومعابر، تؤهله لزيادة حركة التجارة مع أفريقيا ودول الجوار.

ولكن على رغم كل هذه التطورات الإيجابية المرتقبة في المرحلة المقبلة بعد رفع العقوبات، يشكو السودان من مشكلة ديونه الخارجية المتراكمة والتي بلغت نحو 45 بليون دولار. ولافت أن أصل الدَين فقط 17.2 بليون دولار بما يعادل 38.3 في المئة من مجموعه. أما المبلغ المتبقي أي 27.8 بليون دولار تعادل 61.7 في المئة، هو عبارة عن فوائد وغرامات متراكمة بسبب التأخير في دفع الأقساط. ولذلك يطالب دول نادي باريس والدول الصديقة والمؤسسات المالية الدولية، بإعفائه من دفع هذه الغرامات وإعادة جدولة بقية الدَين، لأنه كان طيلة 34 سنة يتعرض لقوة قاهرة متمثلة بالعقوبات الاقتصادية الأميركية، حتى أنه بسبب سيطرة واشنطن على المؤسسات المالية الدولية، حرم من القروض والمنح والهبات. ولوحظ أن أبرز دائنيه، البنك الدولي وصندوق النقد، و «نادي باريس» و «البنك الإسلامي للتنمية»، إضافة إلى دول وصناديق إقليمية عربية وأفريقية.

يسعى صندوق النقد الدولي إلى مساعدة السودان في طلبه، انطلاقاً من أنه من البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، خصوصاً أن ديونه تجاوزت سقف «هيبيك» بنحو أكثر من 200 في المئة، وهي تعوق إمكان حصوله على تمويل خارجي، ما يشكل بدوره عبئاً ثقيلاً على آفاق التنمية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available