|   

النسخة: الورقية - سعودي

< تعتمد الطموحات الصينية على الإيمان برسالة الأمة الصينية في العالم، ما يفسر تسمية البلاد «تشونغ كوو»، وهي كلمة صينية قديمة تعني «المملكة الوسطى»، وتعتقد بمركزية الدور العالمي للصين، وتوحي بالوحدة الثقافية والمصيرية للأمة الصينية التي تحمل تاريخاً طويلاً من العظمة، فالصين منذ ما قبل الميلاد وحتى القرن الـ17 كانت تتصدر العالم في الإنتاج الزراعي والابتكار الصناعي ومستوى المعيشة، إلا أنها تراجعت بسبب سلسلة مؤامرات وحروب شنتها ضدها الدول الاستعمارية مثل روسيا وأميركا، خصوصاً بريطانيا عبر حروب الأفيون المتعددة وكذلك اليابان، وكانت نتيجة هذه السياسات أن تعرضت الأمة الصينية للكثير من الانتكاسات والإذلال وترى أنه حان الأوان لاستعادة أمجادها. لكن حيث ان اغلب القواعد السياسية في التاريخ تكرر نفسها، أعتقد أن ما سنراه هو تطبيق حديث لقاعدة سياسية تاريخية اسمها «قاعدة ثوسايديدس»، وثوسايديدس مفكر ومؤرخ يوناني عاش في أثينا منذ 2400 سنة، لخص الصراع بين القوة الصاعدة وهي مدينة أثينا والقوة المسيطرة وهي سبارطا التي كانت تراقب بقلق الصعود السريع للمنافس أثينا، فحاولت سبارطا قمع أثينا التي أرادت بسط سيطرتها على العالم اليوناني، ما دفعهما لخوض الحرب البوليبونية بينهما التي دامت 25 سنة وانتهت بانتصار سبارطا عسكرياً، ولكن عملياً دُمرت المدينتان، ما مكن العدو الفارسي، المتربص بالمنطقة منذ الأزل، من السيطرة عليهما، ما شكل قاعدة في السياسة الدولية وهي أن القوى المسيطرة لن تسمح بصعود قوة جديدة منافسة، وأن القوة الصاعدة ستسعى حتماً لإثبات وجودها وتحويل قوتها الصاعدة إلى نفوذ ناعم أولاً ثم خشن بشكل سيتضارب حتماً مع مصالح القوة المسيطرة وهو نموذج تكرر كثيراً في التاريخ. خلال آخر سبعينات القرن الماضي، قررت الصين التخلي عن الاقتصاد الزراعي الماوى لفشله ولأن الموارد الصينية البشرية والاقتصادية وخبراتها التاريخية تؤهلها لموقع عالمي أكبر بكثير بدأت سلسلة إصلاحات اقتصادية أحدثت اثراً مذهلاً فالاقتصاد الصيني يحقق نمواً مرتفعاً متواصلاً منذ أكثر من 30 سنة ما أثار غيرة شديدة للقوة الأميركية المسيطرة التي لم تتوقع استمرار النمو بهذه القوة ما ضاعف قوة الاقتصاد الصيني الذي لم يتجاوز 7 في المئة من الناتج القومي الأميركي في سبعينات القرن الماضي إلى حوالى 60 في المئة من الناتج القومي الأميركي الان محسوباً بالأرقام المطلقة ويتجاوزه بالمقياس النسبي للقوة الشرائية. إضافة لذلك قامت الصين بسلسة خطوات لم تترك مجالاً للشك أنها تسعى في النهاية لاستعادة دورها الإمبراطوري عبر خطوات مثل:

أولاً: أنشأت منظمة شانغهاي الاقتصادية ثم بنكاً دولياً للبنية التحتية برأسمال 50 بليون دولار ستزداد كثيراً في المستقبل وستسيطر الصين على القرارات الاقتصادية في هذه المؤسسات العملاقة ما يعطيها نفوذاً هائلاً في القرارات الاقتصادية في الدول المستفيدة من برامج هذه المؤسسات وهي مؤسسات تبدو كبدائل للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين تسيطر عليهما أميركا.

ثانياً: إعادة بناء طريق الحرير التاريخي الذي كان يربط البر الصيني بأوروبا في عهد الرومان والإغريق والذي يمر عبر دول عدة يهمها تحسين وضعها الاقتصادي عبر الارتباط بمشاريع صينية استراتيجية تضمن لها دخلاً دائماً يعوضها عن المساعدات الأميركية المسيّسة المعرضة للانقطاع ما يشجع دول الإقليم على التعاون مع الصين ويخلق إدماناً متزايداً في أوروبا على البضائع الصينية منخفضة الكلفة. ثالثاً: مثلت الاستثمارات الصينية المتزايدة في أفريقيا موطئ قدم للسياسة الصينية في القارة التي تملك كثيراً من الموارد الطبيعية.

رابعاً: السيطرة الصينية المتزايدة على بحر الصين التي تشرف على جزء هائل من التجارة العالمية وتقديمها معونات وتسهيلات اقتصادية لكل من الفيليبين وماليزيا وفيتنام وغيرها لضمان تحييدها في أي صراع مع الولايات المتحدة حول المنطقة الجيوسياسية الحيوية.

خامساً: وقعت اتفاقات استراتيجية مع روسيا والهند للتعاون من أجل الحد من النفوذ الأميركي في منطقة آسيا وأوراسيا وامتد هذا التعاون تدريجياً ليشمل إيران واتضح هذا التعاون في الأزمات التي دخلتها كل من روسيا والصين مع حلف الناتو واميركا في كل من سورية والصراع مع إيران حول البرنامج النووي. سادساً: حققت كثيراً من النفوذ الاقتصادي داخل اميركا عبر استثمار فوائضها المالية وشراء سندات الخزينة الأميركية بمبالغ طائلة حولت الصين لأكبر دائن لأميركا وقد هددت في مناسبات متعددة ببيع سندات بمئات البلايين من الدولارات ما سيهدد بالتأثير سلباً بشكل خطر على المكانة العالمية للدولار.

سابعاً: لعبت الصين بذكاء للتحكم بالدولار ففي نفس الوقت الذي استثمرت فيه فوائضها داخل أميركا لتعظيم نفوذها الاقتصادي والسياسي للتأثير في القرار الداخلي الأميركي تسعى بهدوء لدفع عملتها اليوان تدريجياً ليشارك الدولار كعملة لتسوية التبادل التجاري الدولي وكعملة احتياطات دولية عبر توقيع اتفاقات مع دول عدة للتبادل التجاري باستخدام العملات المحلية بعيداً عن الدولار أشهرها الاتفاق النفطي مع روسيا لتوريد النفط والغاز الروسي بـ 450 بليون دولار تسدد بالعملات المحلية وهو اتجاه سيؤدي حتماً الى صعود اليوان الصيني كعملة تبادل دولية إلى جانب الدولار الأميركي وعلى حسابه.

ثامناً: توسعت الصين في الاتفاقات الإقليمية إذ وقعت اتفاقات مع كل من روسيا الاتحادية ثم مع الهند لتعزيز نفوذها الاقتصادي والعسكري في آسيا ما شكل كتلة قوية اقتصادية /عسكرية مع كثافة سكانية لتثبيت قوتها في اوراسيا.

تاسعاً: أدى التصاعد الاستراتيجي للصين الى تعزيز روح الوحدة القومية بين سكان البر الصيني الرئيس والأقليات الصينية لدى الدول المجاورة مثل ماليزيا واندونيسيا وسنغافورة ما جعل هذه الاقليات، التي تملك نفوذاً اقتصادياً في هذه البلاد يتجاوز كثير نسبتهم إلى السكان، تتحول إلى نقاط ارتكاز للنفوذ الصيني داخل هذه الدول لمصلحة الدولة الأم. عاشراً: حققت توسعاً تدريجياً في القوة العسكرية فتحولت الى القوة العسكرية الثالثة في العالم وتملك أسطولاً بحرياً كبيراً بشكل جعلها قادرة على فرض مكانتها وحقوقها في المناطق القريبة منها حتى الان وسيكون لهذه القدرة المتزايدة دور لتلعبه الصين في مواقع بعيدة عنها في المستقبل المنظور.

هذه الزيادة المطردة في القوتين الخشنة والناعمة للصين ستصطدم حتماً بالنفوذ الدولي لأميركا وأصدقائها الذين سيسعون بكل الوسائل لإيقاف الاندفاع الصيني، ما سيجعل الصراع القادم بين القوتين عنوان المرحلة المقبلة من القرن الـ21.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة