|   

النسخة: الورقية - سعودي

< يصادف شهر أغسطس من كل عام ذكرى غزو العراق لدولة الكويت، ومنذ عام 1990 وبعد أحداث الغزو العراقي بدأ انشراخ في الصف العربي من نوع آخر، وبدأت الجامعة العربية - إن صح القول - في اختبار حقيقي لمعرفة مدى نجاح تلك الجامعة في لم الشمل واتخاذ قرارات تصب في مصلحة الأمة العربية، ولكن للأسف أخفقت في اختبار المصير المشترك لها. فمع دخول صدام حسين الكويت ظهرت أصوات عربية عدة مناصرة له، وأصوات عربية أخرى ضده، وبقيت أصوات عدة خائفة منه أو من غيره، فلم تصطف مع أي معسكر. لست هنا بصدد الحديث عن مراحل غزو الكويت، ولكن أدرجت ذلك مدخلاً ليسهل من بعده الانطلاق.

كانت الكويت قبل غزو صدام حسين منارة علمية وثقافية وفنية بامتياز، فمن منا لا يعرف مجلة «العربي» التي كانت تُطبع في الكويت، والعديد العديد من النشاطات التي كانت تمتاز بها الكويت؟ ومن منا لا يعلم النشاط المادي والسياسي الكويتي لنصرة القضايا العربية، ومنها خصوصاً القضية الفلسطينية؟ ومن منا لا يذكر نشاطات دعم الكويت لياسر عرفات نهاية الخمسينات، عندما احتضنته هو وأبوجهاد، وتبنيها لحركة فتح والمساهمة بنشر صحيفة «فلسطيننا»، وكان ذلك عام 1959؟ كان يُقدّر عدد الفلسطينيين بالكويت بـ400 ألف فلسطيني قبل الغزو العراقي، ومع كل التسهيلات المقدمة لهم والكرم العربي الخليجي الكويتي كان الغالب منهم - للأسف وعلى رأسهم السلطة التي احتضنتها الكويت - من ضمن الموافقين على الغزو العراقي للكويت! أنا هنا لا أدعو إلى عنصرية وتفرقة، وأتفق مع القول إن من أصاب فلنفسه ومن أخطأ فعليها، ولكني أوردت هذا المثال لسببين: الأول أننا في ذكرى الغزو العراقي للكويت، والثاني هل استفدنا من تجربة دعم الدول العربية ومحاولة استمالة مواقفهم؟

مرت سنوات وسنوات بعد أحداث الخليج، ومرت من خلالها المنطقة بكثير من التحديات من الغزو الأميركي للعراق، وسقوط صدام حسين، وتضاعف ضعف الجامعة العربية، وبدأت منقسمة على ذاتها وفي ذاتها، ولم تستطع الدول العربية الوصول إلى حلول تظهر من خلالها على الأقل إبراز موقف موحد مشترك إلا وقد رفضه البعض وامتنع البعض الآخر عن التصويت! وغير بعيد عن ذلك اجتاح العالم العربي ما يسمى «الربيع العربي»، وتساقطت الدول وبعض الأنظمة واحدة تلو الأخرى، ولا تزال الجامعة العربية بين شد وجذب لم تستطع دعم الحكومات الشرعية ولا وقف الهيجان الشعبي ولا حتى الخروج بقرارات واضحة تكون منطلقاً دولياً لتأسيس حلول على مبادئ القانون الدولي.

ما لم تهدأ عاصفة ذاك الخريف إلا وأتى الحوثي وشريكه عفاش بانقلاب على الشرعية في اليمن، ولولا لطف الله ثم تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لحدث ما لم تحمد عقباه، كل شيء حدث وتغير بسرعة، إلا موقف الجامعة العربية ظل صامداً في هبوط مستواه وضعف مخرجاته وقراراته، وأيضاً ظل الموقف الغربي صامداً في تجاهله الأوضاع حيناً وتضارب المواقف حيناً آخر! إذاً، ما هو المشهد القادم؟ وهل استفدنا من دروس الماضي والحاضر؟ هل وضعنا الخطط الاستراتيجية نصب أعيينا وبدأنا العمل؟

إذاً، ما المطلوب الآن؟ في استقراء سريع للأوضاع، كنت قد كتبت في نهاية 2016 وقبل إعلان انتخاب ترامب رئيس للولايات المتحدة الأميركية أن الرئيس القادم لأميركا هو ترامب، وكتبت من ضمن توقعاتي أن خلال صيف سنة 2017 ستنتهي مشاكل الشرق الأوسط تقريباً، وها نحن نرى هزيمة «داعش» في كل الجبهات وانحساره، والهدوء في جبهات القتال في سوريا عما كان قبل. وكنت قد كتبت في الشهر الثاني الميلادي من عام 2017 إن سوريا ستصبح فيديرالية في الشمال والجنوب، وسيكون مركزها دمشق، وكل تلك الكتابات والتوقعات وغيرها المزيد ظهرت نتائجها أو بدأت بالظهور جلياً.

أما الآن، فأتوقع أن دول الخليج العربي، وخصوصاً المملكة العربية السعودية، بحاجة ماسة أكبر إلى تعزيز التحالف القائم مع الدول الإسلامية غير العربية، وبناء تحالفات جديدة على مستوى استراتيجي كبير، بداية بقارة أفريقيا، وأقصد هنا دول الوسط والجنوب الأفريقي الإسلامية، التي لا توجد اتفاقات تنموية مباشرة بينها وبين السعودية، وتحويل جزء كبير من الصندوق السعودي للتنمية إلى تلك المناطق، للمساهمة في البنى التحتية لها ثم توقيع الاتفاقات مع تلك الدول بالمزيد من التعاون، خصوصاً على المستوى العسكري والتدريبي، وجلب القوات إلى الخليج للقيام بتمارين عسكرية مشتركة، أيضاً البدء بالعمل على رسم اتفاقات على مستوى الأمن الغذائي، فمن المعروف أن أفريقيا سلة غذائية جديرة بالاستغلال والتنمية.

ولا يفوتني هنا أن أذكر أن دعوة خادم الحرمين الشريفين لقمة سعودية - أفريقية نهاية هذا العام تعتبر خطوة استراتيجية رائدة في هذه المرحلة، كما كانت جولته الآسيوية السابقة محط أنظار الجميع، وكنت قد كتبت في صحيفة «الحياة» مقالاً باسم «استراتيجية ملك»، وضحت أهمية تلك التحالفات على المستوى الاستراتيجي، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى أرى إبراز اللحمة الوطنية ومحاولة تجفيف مصادر ومنابر الأناشيد القبلية لصالح الأناشيد الوطنية، والاستثمار بأبناء الوطن، فهم السد المنيع والأخير أمام أي عدو أو حاقد، فهناك العديد من المبادرات التي تسهم في إبراز تلك المفاهيم، كما أرى أن التجنيد الإجباري بعد التخرج من الجامعة لمدة سنة له أثر كبير وقوي في المساهمة لتعزيز روح المسؤولية بين أبناء الوطن. لقد أصبح واضحاً أن غالب الدول التي وقفت معنا في مواقفنا إنما وقفوا ليس لصدق وعدالة موقفنا، وإنما لقوة ومتانة اقتصادنا، وأن هؤلاء هم الأقرب والأسرع في تغيير مواقفهم، لذلك - وبرأيي - حان وقت تغيير العباءة وارتداء عباءة تحترم المواقف والمصلحة المشتركة. حفظ الله البلاد وولاة الأمر والعباد من كل مكروه.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة