|   

النسخة: الورقية - دولي

انتخابات «البوندستاغ»، الأحد قبل الماضي، ليست دليلاً وحيداً على أن ألمانيا تواصل تقدمها المضطرد، على رغم كل الانتكاسات في أوروبا والعالم. ارتفاع نسبة التصويت في هذه الانتخابات مقارنة بسابقتها يؤكد الثقة بالمؤسسات الديموقراطية، بخلاف الحال في دول غربية عدة آخرها فرنسا قبل أشهر. فقد تمكنت ألمانيا من تجاوز أزمات تفاقمت في محيطها، كما في العالم، وتحقيق استقرار خلّاق بعيداً من الجمود، على رغم القلق من صعود القوميين الشعبويين وحصولهم على نحو 13 في المئة من أصوات الناخبين، علماً بأن وجودهم في برلمانات بعض الولايات لم ينقطع منذ الستينات.

يدل بعض الاستطلاعات على أن الكثيرين من الألمان يعرفون معنى مواصلة التقدم في عالم يتراجع، ويُقدّرون قيمة هذا التقدم الذي يجعل بلدهم النموذج الديموقراطي الأكثر نجاحاً. وتبدو ألمانيا على هذا النحو «فوق الجميع» بمعنى أنها تتقدمهم، وليس بالمعنى العنصري النازي المقيت الذي دفع إلى فرض حظر جزئي بعد الحرب العالمية الثانية على الفقرتين الأولى والثانية في نشيدها الوطني الذي يبدأ بعبارة «ألمانيا فوق كل شيء في العالم». وها هي ألمانيا تُحقّق نجاحاً ديموقراطياً واقتصادياً، وتنتصر للقيم الإنسانية في لحظة أزمة تُهدّد التقدم المتحقق في العالم منذ التنوير.

لا تواجه ألمانيا خطراً على ديموقراطيتها على رغم صعود التيار القومي المتطرف وريث النازية. خريطتها الحزيبة تعبر عن مختلف الاتجاهات والأفكار، وتبدو لوحةً سيــاسية ثرية. تتصدر الخريطــةَ الاتــجاهات المحافظة، وفي مقدمها حزب المستشارة العائدة إلى الحكـــم أنغــيلا مـــركل «الاتحاد الــديمــوقراطي الــمـــسيــحي»، وتشمل ديموقراطيين اشــتـــراكيــيــن، وليـــــبراليين، ويساريين راديكاليين، وبيئويين، إلى جانب القوميين المتطرفين الذين لم يُستبعدوا من المجال العام بفعل قيمة التســـامح فــي الديـــموقراطية الألمانية الراهنة.

صمدت الثقافة الليبرالية الحقة في ألمانيا أمام دعوات الإقصاء والاستئصال، وانتصرت فكرة أن الديموقراطية تتسع لغير الديموقراطيين، على رغم أن هذا الجدل لم يُحسم في بلدان ديموقراطية أخرى، أو حُسم في غير مصلحتها أحياناً. وعلى رغم ضعف الحزب الديموقراطي الليبرالي، يبدو التيار الرئيسي في حزب مركل أقرب إلى الليبرالية. والحال أن المحافظين المعتدلين يتفقون مع الليبراليين في توجهاتهم حيال قضايا أساسية في مقدمها الديموقراطية ومقوماتها، على رغم الاختلاف على كثير من المسائل الاجتماعية – الثقافية.

ربما يكون استمرار مركل على رأس الائتلاف الجديد مثيراً لملل بعض قطاعات المجتمع. لكن التجديد ليس هدفاً بذاته، بل وسيلة للتصحيح وفتح آفاق جديدة. وإذا كانت السياسات العامة مرضية في محصلتها لقطاع واسع، فلا يضر استمرارها في دورة انتخابية أخرى. ولا ننسى أن بقاءها لأربع دورات ليس جديداً، إذ سبقها في هذا كونراد أديناور وهيلموت كول. كما أن اختلاف تركيب بعض الحكومات في الولايات عن الحكومة الفيديرالية يُحدث تجديداً قد يجد فيه من يميلون إلى التغيير تعويضاً جزئياً. والمتوقع أن يحدث ذلك في انتخابات بافاريا وساكسونيا الجنوبية العام المقبل.

وبمعايير عصرنا، يقيس كثيرون من المواطنين أداء المؤسسات السياسية بأثره في حياتهم، أي في الأوضاع الاقتصادية والمالية. وبأية مقارنة، يظل اقتصاد ألمانيا الأفضل أوروبياً، على رغم اختلالات لم تمنعه من تحمل كلفة استقبال حوالى مليون مهاجر في عامين فقط (2015 – 2016)، وتقديم مساعدات ضخمة لإنقاذ دول أوروبية مفلسة، وغلق منشآت إنتاج الطاقة النووية جميعها والتحول نحو «الطاقة الخضراء».

وفضلاً عن أن تفوق ألمانيا ديموقراطياً واقتصادياً يجعلها متقدمة على القوى الكبرى التي تفتقر إما إلى الحرية أو الازدهار، أو كليهما، فهي تتفوق أيضاً بنزعتها الإنسانية الملهمة إبان انحسار هذه النزعة عالمياً. قرار استقبال اللاجئين لم يؤكد تفوقها في هذه النزعة فقط، بل حافظ لأوروبا على شيء من وجهها الإنساني، على رغم أن بلدانها كلها أغلقت حدودها باستثناء السويد وألمانيا.

ولم يكن ممكناً أن يمر هذا القرار الإنساني من دون ثمن يدفعه حزب مركل، وغيره من أصحاب الضمير الحي في ألمانيا. ففي كل مجتمع، مهما تقدم، فئات منغلقة، وأخرى غاضبة تبحث عن بديل. واليمين القومي المتطرف تمكن من استغلال قرار استقبال اللاجئين للنفاذ إلى هذه الفئات، وخصوصاً في الولايات التي كانت تُشكّل ألمانيا الشرقية، واحتل «البديل من أجل ألمانيا» شبه النازي المركز الثالث في البرلمان.

ومع كل تطرف «البديل...»، يمكن أن يساعد وجوده البرلماني على التكيف مع النظام الديموقراطي والاندماج فيه، ويُهذّب سلوك نوابه الذين لا تسمح لهم التقاليد البرلمانية بممارسة طقوسهم الشعبوية الفجة. كما أن حزباً لا يعتمد إلا على استغلال الخوف أو الغضب مرشح لمزيد من الانشقاق الذي بدأ فور انتهاء الانتخابات. وقد يراجع بعض من اقترعوا له موقفهم عندما يكتشفون عبر المناقشات البرلمانية أنه لا يملك سوى شعارات سطحية.

ويخلق نجاح ألمانيا في مواصلة تقدمها شعوراً بالتفاؤل لدى من يخشون ردة عن قيم النهضة والأنوار والحداثة في عالم تندر فيه النماذج الملهمة أو المبشّرة، بغض النظر عن هيكل النظام العالمي. فالحال أن موقع ألمانيا في هذا الهيكل لا يُعد متقدماً وفق المناهج السائدة في دراسة العلاقات الدولية التي تمنح وزناً مميزاً للقوة العسكرية، لكنها في موقع متقدم للغاية بمعيار الإسهام في الطور الراهن من الحضارة. فإلى إسهاماتها المميزة في كثير من المجالات، قدمت ألمانيا دروساً ملهمة بحيث يجوز القول إنها علَّمت العالم أكثر مما فعل غيرها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

أقامت ألمانيا الغربية نظاماً ديموقراطياً ناجحاً بعدما خضعت لإحدى أكثر الديكتاتوريات تجبراً وقسوة وعنصرية في العصر الحديث. وقدمت درساً في كيفية بناء ما صار يُعرف باقتصاد السوق الاجتماعي. وكانت تجربتها مبهرة في استيعاب نصفها الشرقي الذي فُصل عنها بعد الحرب الثانية، وفُرض عليه نظام فاشل، وبناء الوحدة الأنجح في عالم اليوم. أما الإصرار على التمسك بالقيم الإنسانية في مرحلة انحسارها، فيُعدّ إسهاماً عظيماً سيذكره التاريخ حين يقف أمام هذه المرحلة البائسة.

ولو أن أدولف هتلر بُعث حياً اليوم لهاله كيف أصبحت ألمانيا «فوق الجميع» اعتماداً على منهج مناقض تماماً لذلك الذي اتبعه، وانتهى إلى كارثة لبلده وللعالم.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة