|   

النسخة: الورقية - دولي

من هنغاريا حتى بولندا ومن بريكزيت في بريطانيا إلى استفتاء كاتالونيا في إسبانيا، ومع جموح اسكوتلندا نحو استفتائها المحتمل وتطلع «عصبة الشمال» المتطرفة نحو استقلال إقليم «بادانيا» شمال إيطاليا، يبدو الاتحاد الأوروبي وكأنه يتحرك بدينامية جديدة لا يُعرف إذا كانت ستدفعه نحو مسار وعملية يبتدئ معهما صوغ العمل الأوروبي المشترك. فهل ينتقل من حالة اتحاد دول إلى «اتحاد أقاليم»؟ إقليم الباسك القابع عند سفوح البرينيه مع فرنسا المطلة على الأطلسي لم يسبق كاتالونيا بالمطالبة بالاستقلال فحسب، بل انخرط لعقود عدة في العنف المسلح لتحقيق ذلك قبل تخلي قيادة «إيتا» عن السلاح مؤخراً والخوض في مسار التفاوض السلمي لتحقيق الأهداف.

وتبدو ظاهرة المشككين في أوروبا Euro sceptics، أو جيل السياسيين الرافضين فكرة اتحاد متين، تكتسب رأياً عاماً يتصاعد ويحظى بقبول جماهيري يعبّر عن نفسه بحصول ممثليه على نسب عالية في برلمانات دول (غرب) أوروبية رئيسة كألمانيا وبلجيكا وإيطاليا، وعلى الأغلب النمسا كما ستبين الانتخابات القريبة. فها هو مهندس بريكزيت وزير الخارجية بوريس جونسون يخاطب مواطنيه المحافظين بخطاب تشرشلي عنونه «حين يزمجر الليث»، إشارةً إلى الأسد الإمبراطوري الذي يزين تاج بلاده ورايتها.

هناك نفور ينتشر ضد الاتحاد الأوروبي، وليس ضد أوروبا، لا سيما بين الشباب، وبدا ذلك واضحاً في المشهد الكاتالوني الأسبوع الفائت. بروكسيل بقيت صامتة مدة 24 ساعة على ذاك المشهد العنيف في زمن البث المباشر ووسائط التواصل اللحظية. وعندما نطقت خرجت بموقف داعم للحكومة الإسبانية ورئيسها ماريينو روخوي. واكتفى المسؤولون الأوروبيون بالقول إن نتائج استفتاء كاتالونيا «غير قانونية» ووصفوا المواجهة بين الأمن المركزي الإسباني والمقترعين بأنها مجرد «مسألة داخلية»، على رغم أن ما حدث يلامس عمق وأسس فكرة العمل الأوروبي المشترك. صحيح أن بروكسيل دعت الإسبان إلى الحوار وخصص برلمانها الأوروبي يوم الأربعاء الفائت (4/10/2017) لمناقشة الحدث الكاتالوني، ولكنها لم تتقدم بأي فكرة أو اقتراح لخفض التوتر، بل رفضت دعوة الرئيس الكاتالوني إلى الوساطة وحذرت حكومته من أن كاتالونيا ستُطرد من الاتحاد الأوروبي إذا ما انفصلت عن إسبانيا.

هذا موقف أوروبي رسمي أقل ما يقال أنه أرعن وغير مطمئن لعشرات من أقاليم أوروبا التي تنزع فوراً (كما تفعل قبائل البدو) في لحظات تاريخية، إلى تغليب الإحساس بالـ «أنا» على الشعور بالـ «هم». فرد فعل الحكومة العنيف في برشلونة من الضرب بالهراوات والرصاص المطاطي واستقدام قوات الأمن المركزي، لم يؤد إلى إصابة حوالى 900 متظاهر بجروح فحسب، بل شرعن الدعوة إلى الاستقلال.

لا يمكن تصور فعل أبشع من رد فعل الحكومة الإسبانية. استقلال كاتالونيا لم يكن الخيار المفضل لدى غالبية سكان الإقليم حتى قبل يوم من موعد الاستفتاء الذي اعتبروه غير شرعي في الأصل. كان يمكن الحكومة أن تطبق معايير حكومات الديموقراطيات الأخرى: تسمح للاستفتاء بأن يتم سلمياً وتلحظ نتائجه إن فشل، وتعلن أنه غير مشروع إن نجح. هكذا فعلت كندا مع إقليم كييبك في 1995 وبريطانيا في 2014 والعراق في الشهر الفائت. فلو تساهلت الحكومة الإسبانية في موضوع الاقتراع لما ظهر ردّ الفعل الغاضب في العالم ضدها. استخدامها العنف تصدر عناوين الأخبار وكسر قواعد السلوك الديموقراطي ومبادئ التسامح المطبقة في الغرب.

فالوحدة الأوروبية راهناً أمام اختبار تاريخي كما لم يحصل من قبل منذ «معاهدة باريس» (1951) للعمل المشترك بين ست دول أوروبية (فرنسا وبلجيكا وألمانيا الغربية وهولندا ولوكسمبورغ)، لأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية، في إطار ما سُمّيَ بـ «تجمع الحديد والفحم الأوروبي».

ذاك التجمع تميز بضروراته الحيوية لإعادة إعمار أوروبا وإنعاش اقتصاد دولها وهي تواجه آنذاك التوسع السوفياتي في شرق أوروبا على أصوات قرع طبول الحرب الباردة في الخمسينات على وجه الخصوص. وسرعان ما انتقل التجمع الأوروبي إلى مرحلة «السوق الأوروبية المشتركة» وتوسعت عضويته قبل الانتقال أخيراً إلى الاتحاد الأوروبي بعضوية 28 دولة وفقاً لمعاهدة ماستريخت لعام 1993، واشتراك 19 منها في منطقة اليورو.

فما حلم به من يعتبره كثيرون بأنه واضع أسس أوروبا المعاصرة في الخمسينات، الفرنسي جان مونيه، يتعرض راهناً لأخطار غير مسبوقة. فالوحدة النقدية، على أهمية دورها في الانتعاش الاقتصادي وتسهيل التعامل بين أعضائها، خلقت مشاكل أخرى ناجمة عن التباين بين دولها الغنية (ألمانيا وفرنسا والنمسا مثلاً) والفقيرة منها، والذي يماثل الفروقات بين أغنياء وفقراء الدولة الواحدة. وينجم عن ذلك الكثير من الامتعاض من الدول الأفقر، ما يحدو بأغنياء الاتحاد بين الحين والآخر الى اتخاذ إجراءات استثنائية للحد من التوتر.

مع مطلع 2010، اتخذ الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي إجراءات إنقاذية لمساعدة اقتصادات الدول الأعضاء المنهكة نتيجة الكساد من جهة والسياسات الخاطئة من جهة أخرى. إلا أن شروط الدول الغنية، لا سيما ألمانيا، بضرورة تطبيق التقشف الصارم أدت إلى انتشار حالة من الإحباط العام والاحتجاج الجماهيري، ما أدى إلى سقوط حكومات، مثلما حصل في اليونان في 2015 بفوز حزب «سيريزا» المعادي للتقشف واضعاً أثينا في مواجهة مباشرة مع بروكسيل وبرلين.

وعلى رغم تحسن الوضع الاقتصادي في بعض ما يسمى «دول الأطراف» في الاتحاد الأوروبي، طرح احتمال خروج اليونان من منطقة اليورو حينئذ مخاوف جمة، في مناخ يجمع بين الكساد والصعود الشعبوي عبر أوروبا والتردد في إجراءات الإصلاح، وفتح الباب أمام تساؤلات حول جدوى استمرار الوحدة النقدية. إلا أن تدخل البنك المركزي الأوروبي مباشرة بسلاحي السندات وبرامج التسهيلات النقدية، حال دون الانهيار.

فما يطرحه الكاتالونيون الآن، بعد المواجهة العنيفة مع الحكومة، يفتح الباب واسعاً أمام أقاليم أوروبية عدة للتحرك على خطى كاتالونيا. فإن لم يسارع الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ برامج إصلاحية جوهرية كالتخلص من سلطة بيروقراطية موظفيه في بروكسيل، ومعالجة الخلل الحاصل في توزيع الثروة على مستوى الاتحاد وداخل دوله كلٍّ على حدة، ووضع سياسات اجتماعية أكثر عدلاً.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة