|   

النسخة: الورقية - دولي

لم يخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوماً معارضته الاتفاق الإيراني، ولكن إدارة ترامب سبق أن أعلنت مرتين أن إيران ملتزمة الاتفاق. وتوحي تصريحات ترامب أنه سيرفض إعلان أن إيران تلتزم الاتفاق وأنه «سيسحب الإقرار» بالتزامها. وهذه الخطوة لن تطيحه. وليست المصادقة هذه (أو الإقرار) مدرجة في الاتفاق النووي المبرم بين إيران ودول 5 زائد واحد (ألمانيا والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن)، بل هي من مقتضيات قانون أميركي (قانون مراجعة الاتفاق النووي مع إيران 2015). وبموجب هذا القانون، على الرئيس الأميركي كل 90 يوماً النظر في أعمال إيران لإعلان أنها لا تنتهك الاتفاق النووي («خطة العمل المشتركة الشاملة»)، ولا تطور برنامجها العسكري الذري.

ولكن رفض المصادقة على الاتفاق يضغط على الكونغرس لفرض عقوبات من جديد على إيران سبق أن ألغيت إثر الاتفاق النووي. وإذا أقدم المشرعون الأميركيون على مثل هذه الخطوة، تخل واشنطن بالتزاماتها في الاتفاق هذا. ومصيره وثيق الصلة بتفسيرات الإدارة، لما يترتب على رفض المصادقة أو الإقرار بالتزام إيران الاتفاق. وإعلان أن «إيران غير ملتزمة» (بالاتفاق) -على نحو ما فعل ترامب- مشكلة، فوكالة الطاقة الذرية الدولية، الجهاز المسؤول عن مراقبة التزام إيران الاتفاق، أعلنت أن طهران لم تخلّ بالتزاماتها، ومثلها فعل وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون في 20 أيلول (سبتمبر) المنصرم، حين أعلن أن طهران «تلتزم تقنياً» الاتفاق. ويوحي تصريح تيلرسون أن ما سيسوغ العودة عن المصادقة على التزام طهران، هو «إقدامها على تطوير برنامجها النووي العسكري». ويرجح أن تسوغ الإدارة الأميركية عدم المصادقة على التزام طهران الاتفاق من طريق حجتين: وكالة الطاقة الذرية الدولية عاجزة عن بلوغ المنشآت العسكرية الإيرانية؛ تطوير إيران صواريخ باليستية لا غاية منها غير حمل رؤوس نووية.

ولكن الحجتين هاتين لن تقنعا مجموعة خمسة زائد واحد، وستقول المجموعة هذه إن مسؤولية أو عبء تحديد المواقع المشبوهة في إيران يقع على أميركا، وإن عليها المطالبة بالوصول إلى المواقع هذه، وهذا ما يبدو أن الإدارة الأميركية لم تفعله. وعلى رغم أنها مصدر خطر لا يستخف به وتمس الحاجة إلى جبهه، لم يتناول الاتفاق النووي الصواريخ الباليستية ولا أعمال إيران التي تزعزع الاستقرار في المنطقة، لذا تحتاج الإدارة الأميركية إلى تسليط الضوء على مسألتين: أنها لا تنسحب من الاتفاق الإيراني («خطة العمل المشتركة الشاملة»)، وأنها لا تطالب الكونغرس بفرض عقوبات على إيران كان ألغاها إثر إبرام الاتفاق. وحري بواشنطن أن تقول إنها لن تذعن لأعمال إيران الخطيرة، وإن رفض المصادقة على «قانون... 2015» ينذر العالم بأنها في الأشهر المقبلة، بين ستة أشهر إلى عام، ستنسحب من الاتفاق النووي إذا لم تجبه مسائل وثيقة الصلة باختبار إيران صواريخ باليستية وسياستها السيئة في المنطقة. ومجوعة خمسة زائد واحد ملتزمة «خطة العمل المشتركة الشاملة» (الاتفاق النووي).

ولكن رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون، يدعو إلى اتفاق إضافي أو تكميلي يبقي على قيود تخصيب إيران اليورانيوم وعلى قدرة إعادة معالجة الوقود النووي بعد انتهاء مدة الاتفاق في 2030. وهذا الاقتراح يشير إلى أن في إمكان الإدارة الأميركية استمالة حلفائها الأوروبيين، ويعود الفضل إلى مقاطعتهم النفط الإيراني في إحكام الضغط الاقتصادي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ولا يرغب القادة الأوروبيون في تخلي واشنطن عن الاتفاق النووي، ولكن قدرتهم على المناورة مقيدة بقيود سياسية، في وقت أن الأوروبيين لا ينظرون بعين الرضى إلى دونالد ترامب. وسيتعذر على القادة الأوروبيين التجاوب مع البيت الأبيض في الملف الإيراني ما لم يغير ترامب خطابه ويسلط الضوء على سعي إدارته إلى التعاون مع الأوروبيين الذين لن يسارعوا إلى الانسحاب من الاتفاق، فالبريطانيون والفرنسيون والألمان سيتجاوبون أكثر مع واشنطن إذا عينت مبعوثاً صدقيته يعتد بها للتعاون معهم والإجماع على مواقف مشتركة.

ولن يقف الإيرانيـــون موقف المتــفرج، بل سيخرجون صـــورتهم على أنهم يحترمون الاتفاق في وقت أن إدارة ترامب تهدده، ويــسعون إلى بث الفرقة في صفوف مجموعة 5 زائد واحد لعزل أميركا وتهميش موقفها. وعلى نحو ما تشير تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني في الامم المتحدة، ستؤجج طهران المخاوف من استئناف برنامجها النووي إذا تخلت أميركا عن الاتفاق. وطهران ستطالب بتنازلات أميركية جديدة، منــــها وصول إيران إلى النظام المالي الأميركي والقدرة على تداول معاملات بالدولار الأميركي إذا سُعي إلى «تدابير إضافية» (اتفاق تكميلي).

وحري بأميركا ألا تصدع بالمطالب الإيرانية، ولكن على إدارة ترامب ألا تتوهم أن الأوروبيين سيسارعون إلى قبول شروطها. ولا شك في أن رغبة الأوروبيين في عدم انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي هي مدخل التفاوض معهم وإنقاذ الاتفاق. وحري بالإدارة الأميركية ألا تنسى محدودية نفوذها إذا لم تصادق على التزام إيران بنود الاتفاق. وهي مدعوة إلى مباشرة التعاون مع الحلفاء تعاوناً يضمن أن «العودة عن الإقرار» (بالتزام طهران الاتفاق النووي) يفتتح سيرورة للتعامل مع شوائب الاتفاق النووي ولا يحول دون مثل هذه السيرورة أو العملية.

 

 

* ديبلوماسي أميركي سابق، مستشار في معهد واشنطن، عن «وال ستريت جورنل» الأميركية، 6/10/2017، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة