|   

النسخة: الورقية - دولي

في الواحدة والسبعين من العمر استفتى شعبه على حق تقرير المصير- والاستفتاء هذا وعد قطعه على والده، وتحدى دول الجوار والمجتمع الدولي. ونسج أسطورة البيشمركة، أي «من يتحدى الموت»، في أعالي جبال كردستان. وفي صور شبابه، نراه واقفاً مرتدياً قميصاً رمادياً، ومتزنراً بحزام الرصاص، وغمد المسدس على وركه، وهو يحمل بندقية كبيرة على كتفه. ومسعود بارزاني أيقونة في عيون الأكراد؛ وفي عيون أوروبيين يتوقون إلى ملحمة رومانسية هو نوع من ياسر عرفات قادم من قمم جبال الشرق التي تكللها الثلوج. وهو الضعيف الذي يقاوم شريعة الأقوى. وهو (ممثل) الشعب الكردي، وهو شعب بلا دولة، وأقلية من 40 مليون نسمة واقعة بين سندان العرب في سهول بلاد ما بين النهرين والفرات وبين الفرس والأتراك. ويرى خصومه، الأمس واليوم، أنه مقاتل شرس وسياسي مراوغ، وعدو عصي على التوقع يغامر بالتضحية بأبناء تربته، ومحتكر الثروات وقادر على إبرام سلام مع الشيطان للنجاة والبقاء.

وإثر وفاة منافسه جلال طالباني، يبدو أن مسعود بارزاني، شأن عبدلله أوجلان، الزعيم الكردي على رأس «حزب العمال الكردستاني» التركي- السوري السجين في جزيرة على بحر مرمرة، هو الديناصور الأخير أو آخر عنقود جيل من الشخصيات التي تندثر في منطقة لم تخمد نيرانها. وهو على رأس جماعته منذ نحو أربعين عاماً. وفي 1976، أطلق أول طلقة نارية رمزية في الانتفاضة ضد نظام المستبد صدام حسين. وفي 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2016، أعلن في تغريدة إطلاق حملة تحرير الموصل وسهل نينوى من داعش. وزعيم منطقة الإدارة الذاتية في كردستان سعى إلى ضرب عصفورين بحجر: طرد «داعش» بعيداً من أراضيه بمؤازرة مقاتلات جوية وقوات خاصة غربية، والتمدد جغرافياً ومراكمة مكاسب سياسية لبلوغ حلمه: إنشاء دولة كردية في العراق. وفي 23 أيلول (سبتمبر) المنصرم، عشية الاستفتاء على استقلال كردستان العراق، جمع الصحافة العالمية في قصره الرئاسي المنحوت في الحجر في أعالي منطقة «الرؤوس السوداء» في صلاح الدين، على مسافة 30 كلم من أربيل، عاصمة كردستان العراق. وخشيت القوى الغربية اضطرابات في المنطقة، وبقيت، إلى اللحظة الأخيرة، تأمل في تأجيل الاستفتاء. ولكن المساعي هذه لم تثمر. وأعلن بارزاني أنه ماضٍ في الاستفتاء. «فالعراق الجديد انزلق إلى الطائفية وانغمس فيها، وواصل إذلال شعبنا. ففي بغداد الوجوه تغيرت ولكن العقليات على حالها»، قال الرئيس الكردي. واليوم، بارزاني وحيد في مواجهة الجميع. وإثر الاستفتاء، لم يعلن الاستقلال أحادياً عن بغداد. فالحيوان السياسي الكامن فيه أراد طمأنة الخصوم. وهو مستعد للمفاوضة على الحدود مع بغداد وتقاسم ثروات كركوك. ويبدو أنه مقتنع بأن الجيش العراقي، في وقت يقاتل داعش، لن يبادر إلى الهجوم اليوم، وأن الإيرانيين لن يتوسلوا القوة مباشرة في جبههم. وهو مستعد لتحمل ارتدادات صدمة العقوبات الاقتصادية. وهو، على رغم تستره، عوِّل على حليفه الوحيد في المنطقة، رجب طيب أردوغان، وهو حليف غير متوقع وجزار الاستقلاليين الكرد في جنوب شرقي تركيا. وهذا الحلف المخالف للطبيعة أبرم حين كان أردوغان منفتحاً على الحوار مع الأقليات. ومذ ذاك، جمعت بين القائدين مصالح مالية وتجارية مشتركة. فإقليم كردستان يصرف نفطه عبر تركيا، وهذه تغرق العراق بسلعها عبر البوابة الكردية. ويرى أردوغان أن كردستان هو منطقة عازلة أو فاصلة بين تركيا والعالم الشيعي، وامتداد طبيعي لطموحاته طالما لا يتجاوز بارزاني حده. وشراسة رد الرئيس التركي على الاستفتاء، وقعت وقع المفاجأة على بارزاني.

ويوم الاستفتاء، وإثر إغلاق مراكز الاقتراع، قصد البارزاني مسقط رأسه في برزان، وهي في مثابة قلعة محصنة في قلب الطبيعة وواد أخضر، لزيارة قبر والده. وفي هذه البلدة، كل امرئ يملك بندقية ومستعد للموت فداء الزعيم. وهذه القرية هي مثل جنة المحميات البيئية، وتحلق النسور في سمائها وتجتاز براريها ظباء فارسية ودببة سمراء وذئاب. ويرقد والده، مصطفى، في جوار تلة دفن فيها 512 من أبناء قبيلته أعدمهم الديكتاتور البعثي.

وبارزاني الأب، مصطفى بارزاني، كان قائد القوات المسلحة في جمهورية مهاباد التي أنشئت في الأراضي الإيرانية في 1946، ودعمها ستالين، ولكن طهران أطاحتها في العام نفسه. وهو أبصر النور في ظل جمهورية كردستان الأولى، ويريد الموت في «ربوع كردستان مستقل»، أسرّ مسعود بارزاني إلى مجلة «فورين بوليسي». وسيرته حافلة بأعمال مقاومة، وانتكاسات عسكرية وتحالفات ظرفية. ففي حرب إيران – العراق، مال بارزاني إلى طهران، ولكن انتفاضته قمعت في حملة «الأنفال»، وقصف الجيش العراقي حلبجة بالسلاح الكيماوي (5 آلاف قتيل). وهو كان وراء انتفاضة ضد صدام حسين في 1991 في ختام حرب الخليج. فهرب مئات آلاف الأكراد عبر الجبال إلى الحدود، وأنقذهم من الموت قصف دولي، إثر فرض حظر جوي. وأرست منطقة الحظر منطقة مستقلة. وبعد 4 سنوات، اندلعت حرب إخوة بين عشيرتي بارزاني وطالباني على تقاسم الكعكة الكردية. فاستعان بارزاني بدبابات صدام. ولم ينته النزاع إلى فوز أو هزيمة، فتقاسم بارزاني وطالباني النفوذ جغرافياً ومالياً في المنطقة. فإلى الشمال، هيمن بارزاني، وإلى الجنوب طالباني وحزبه. وإلى اليوم، بارزاني رئيس كردستان العراق، على رغم انتهاء ولايته قبل عامين. ويتولى ابن شقيقه، نجيرفان إدريس رئاسة الوزراء، وهو رجل أعمال ذائع الصيت، وصار صاحب أكبر الثروات في الشرق الأوسط، وهو مقرب من المحافظين الجدد في أميركا، وتوسل ارتفاع أسعار النفط إلى تحويل أربيل إلى نظير دبي بين الصحراء والجبل. فغزت المدينة هذه فيلات فخمة وناطحات سحاب وطرق سريعة دائرية ومراكز تجارية. ولكن الأموال النفطية نضبت مع هبوط أسعار الذهب الأسود، وانزلقت المنطقة إلى ركود، واقتطعت رواتب كثير من الموظفين، فخبا بريق رئيس الوزراء، شأن شمس الحزب الحاكم. ومسرور بارزاني، ابن مسعود، رئيس مجلس الأمن القومي في كردستان وله كلمة الفصل في أجهزة الاستخبارات الكردية. وتسري شائعة مدينية في أربيل تزعم أنه أكثر نفوذاً من والده في المدينة. ويعاون مسعود بارزاني سيروان، ابن شقيقه، وهو جنرال في البيشمركة عاد إلى الخدمة لقتال داعش. وهو مدير في «كورك تيليكوم»، الشركة الهاتفية الخليوية الكبيرة في العراق، ولم يقطع بث الشبكة الهاتفية في الموصل إلا حين انقلب «داعش» على الأكراد.

ويندد الحزب المعارض غوران النظام الاستبدادي وركنه الفساد والزبائنية ومحاباة الأقارب. وفي قطاع الأعمال، يتعذر الفوز بعقود وإبرامها من غير رضى آل بارزاني. ويقول مسعود بارزاني إنه لن يسعى إلى ولاية ثانية، وأنه يرمي إلى إرساء مشروع الاستقلال. ويبدو أن مصير بلاد الغبار، كردستان، يلفه الغموض.

 

 

* مراسل، عن «لوفيغارو» الفرنسية، 4/10/2017، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة