|   

النسخة: الورقية - دولي

تواصل هذه الصفحة، كلّ يوم جمعة، نشر حلقات الدراسة المهمّة التي تتناول مرحلة مفصليّة من تاريخ التشكّل اللبناني.

 

< نجح العثمانيّون عام 1585 في إنهاء تمرّد الدّروز الذي استمر أكثر من ستة عقود، ويعود الفضل جزئيّاً في هذا النّجاح للقوّة العسكريّة السّاحقة التي استطاع إبراهيم باشا حشدها ضدّهم. لكنّ الدّروز كانوا قد هزموا في مناسبات سابقة، لينهضوا ثانية بعد وقت قصير، ويستأنفوا تمرّدهم.

هذه المرّة، ربّما يعود النّصر الحاسم لإبراهيم باشا المتمثّل في تهدئة المناطق الدّرزيّة، وفرض قدر من القانون والسّلطة فيها ما بين 1585 وحوالى منتصف العقد الثّاني من القرن السّابع عشر، إلى أنّ قبرص كانت قد دخلت تحت السّيطرة العثمانيّة منذ عام 1570. وهكذا لم يعد باستطاعة البندقيّة أن تستعمل الجزيرة كقاعدة لعمليّاتها السّرية على السّاحل اللبناني، حيث كانت تستطيع إرسال المعدّات العسكريّة بيسر إلى جبل الدّروز. حينذاك، ولبعض الوقت، انقطع تزويد الدّروز بالأسلحة في شكل كبير، إن لم يتوقّف تماماً.

بالإضافة إلى ذلك، وفي محاولة من البندقيّة لتقليل خسائرها، وقعّت اتفاقية سلام مع العثمانيّين بعد حرب («الحلف المقدّس» Holy League) عام 1571. إلّا أنّ حقيقة الأمر أنّ البندقيّة لم تعد منذ ذلك الوقت القوّة البحريّة العملاقة التي كانت عليها من قبل. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ البنادقة تابعوا عن كثب سير حملة إبراهيم باشا عام 1585 ضدّ الدّروز، مثلما تابعوا من قبل تمرّد ابن الحنش ضدّ العثمانيّين في 1518. فقد كلّف قنصلهم في حلب نائبه كريستوفيرو بوني أن يرافق حملة إبراهيم باشا، ليقدّم التّقارير عنها. ولم تكن تقارير بوني ترسل إلى حلب فقط، بل إلى إسطنبول أيضاً حيث السّفير، ومن المفترض أن تكون قد أرسلت إلى البندقيّة كذلك. وقد كانت شؤون الدّولة العثمانيّة وحروبها بخاصّة موضع متابعة ورصد حثيث من قبل البندقيّة حيث تمّت هناك طباعة كتاب حول هذا الموضوع عام 1594.

برّر المؤرّخون العثمانيّون الهجمات ضدّ الدّروز على أسس دينيّة، من دون ذكر اتصال هؤلاء بالبنادقة. وكان هذا التّبرير جاهزاً للاستعمال من قبل العلماء والمؤرّخين المعاصرين، في كلّ من إسطنبول وبلاد الشّام. هكذا يكتب المؤرّخ العثمانيّ سيلانيكي بحدّة وعدائية عنهم.

ويعبّر المؤرّخ الدّمشقي، الحسن البوريني، عن المشاعر نفسها في المناسبة ذاتها.

ولم يقتصر صدور هذه الإدانات الدينيّة على مناسبات المواجهة العسكريّة بين العثمانيّين والدّروز، وربما لم يكن اضطهاد العثمانيّين للدروز مرتبطاً على الدّوام بالشّك في تواطئهم مع قوى خارجية. فعلى سبيل المثال يقول مؤلّف كتاب التّراجم الحلبيّ العرضيّ أنّ الدّروز في الجبل الأعلى في منطقة حلب قد صودرت أملاكهم مراراً بسبب عقيدتهم. وفق روايته، فقد كان الحكام يفرضون عليهم الغرامات، ثمّ يطلقون سراحهم.

ويبدو أنّ الحملة العثمانيّة ضدّ الدّروز عام 1585 كانت آخر حملة في القرن السّادس عشر، إذ لا تذكر الوثائق العثمانيّة أو الكتابات المحليّة، أيّ تمرّد درزيّ أو أيّة أعمال انتقامية عثمانيّة مضادّة. وكما أشرنا سابقاً، ربّما كان هذا الهدوء عائداً إلى نجاح الحملة العثمانيّة، وإلى الضّعف الذي اعترى البندقيّة كقوّة بحريّة وتجاريّة في البحر الأبيض المتوسط. هذا علاوة على أنّ العثمانيّين أتبعوا نصرهم العسكري بإجراءات إداريّة تضمّنت إنشاء ولاية الدّروز.

ولكنّ ولاية الدّروز هذه لم تعمّر طويلاً. وعوضاً عن ذلك، نقل العثمانيّون سنجق صيدا- بيروت من التّابعيّة لسلطة ولاية دمشق إلى تابعيّة سلطة ولاية طرابلس وبالعكس مراراً. وقد اتُّخذ هذا الإجراء، في ما يبدو، أملاً بأن تصبح المنطقة تحت سيطرة أكثر حزماً وربما أكثر ولاءً. إلّا أنّ هذا الإجراء أيضاً لم يعمّر كما يظهر من الانتقال المتكرر للسنجق ولم يؤت الثمار المرجوّة، فقد تجدّد التّمرّد الدّرزيّ مع بداية القرن السّابع عشر. ومنذ ذلك الوقت وحتى نهاية القرن نعم الدّروز بالدّعم الماديّ والمعنويّ من توسكانيا، ومن الكنيسة الكاثوليكيّة ممثّلة بالبابويّة.

فقد أتاحت حالة الضّعف التي اعترت جمهورية البندقيّة الفرصة لبروز قوّة إيطاليّة أخرى لتصبح طرفاً فعّالاً في بلاد الشّام العثمانيّة مع بدايات العقد الأوّل من القرن السّابع عشر، وعلى مدى طوال القرن في أوساط الدّروز. وتزامن هذا التّطور مع المرحلة الثّانية من التّمرّد الدّرزي. ولمّا كانت توسكانيا هي التي لعبت الدّور الرّئيسي أوروبياً، فإنّه يبدو منطقيّاً أن نسميّ تلك الفترة من التّمرّد «المرحلة التّوسكانية».

لقد سيطر فخر الدّين المعني وحروبه المتكرّرة مع العثمانيّين على المرحلة الثّانية من التّمرّد الدّرزي خلال العقود الأربعة الأوّلى من القرن السّابع عشر. وكما هو معروف، دعم فخر الدّين التّمرّد الواسع النّطاق لعلي جانبولاد في ولاية حلب في 1605-1607 على رغم الأوامر العثمانيّة التي وجّهت إليه للمشاركة في قمع هذا التّمرّد. هذا التّمرّد الفاشل يؤرخ لبدء تدخّل توسكانيا في شؤون بلاد الشّام. فقد قدّمت هي والبابويّة دعماً ماديّاً وسياسيّاً كاملاً للتمرّد. ومن المؤكد أنّ التّوسكانيين كانوا قد شاركوا بفعاليّة في هجمات القرصنة ضدّ العثمانيّين شرق البحر الأبيض المتوسّط في ما سبق ذلك. ولكنّهم مع القوى المسيحيّة الأخرى، وعلى الأخص البابويّة، كانوا قد أصبحوا أكثر جرأة بعد انتصارهم في معركة ليبانتو البحريّة عام 1571. ويمكن اعتبار هذا النّصر، كما يقول بروديل، «نهاية عقدة نقص حقيقية عند المسيحيّة»، ونقطة تحوّل تاريخيّة «بدا أنّها فتحت الباب واسعاً أمام أكثر آمالهم جموحاً».

كان طبيعيّاً ضمن هذه الظروف أن يبدأ آل ميديتشي، الذين كانوا يتربّعون على كرسيّ الغراندوقية في توسكانيا والبابوية في روما، بالتّفكير جدّياً في إعادة السّيطرة المسيحيّة على جزيرة قبرص لاستخدامها قاعدة لعملية مشتركة ضدّ العثمانيّين في بلاد الشّام، خصوصاً في ما يتصل بمشروع إعادة احتلال الأراضي المقدّسة.

كانت توسكانيا على وجه الخصوص في موقع يسمح لها بأن تلعب دوراً أكثر فعاليّة في بلاد الشّام العثمانيّة خلال حكم الدّوق الأكبر، صاحب الطّموح والعلاقات الوثيقة بأصحاب الشّأن والقوّة، فيرديناند الأوّل (1587-1609)، وذلك لأسباب متنوّعة، وهي للتّذكير تجاريّة وسياسيّة وبالطّبع دينيّة. فقد كان فيرديناند الأوّل على علاقة وثيقة بالبابا كليمنت الثّامن (1592-1605)، وكان البابا «يدعم أهداف توسكانيا في الشّرق الأوسط» عن طريق اتّباعه سياسة هجوميّة ضدّ العثمانيّين ومن ضمن تلك السّياسة: خطبه ودّ الشّاه عبّاس في إيران (1587-1629) آملاً بأن يكون الشّاه عوناً لخطط القوى الكاثوليكيّة ضدّ الدّولة العثمانيّة، وتقديمه إعانات ماليّة لإمبراطور الإمبراطوريّة الرّومانيّة المقدّسة وذلك لضمّه إلى حملة صليبيّة ضدّ الدّولة العثمانيّة يقوم بها تحالف مدن إيطالية يستثني البندقيّة، وإصدار إذن خاص للحكومات المسيحيّة لتزويد بعض المناطق مثل بلاد الشّام بالسّلاح لتمكين مسيحييها وجماعاتها الإسلاميّة «الهرطوقية» من محاربة العثمانيّين.

ومن الجدير بالملاحظة أنّ توسكانيا لم تكن مشمولة بنظام الامتيازات العثمانيّة كما كان حال البندقيّة ودول أوروبيّة أخرى، ولذا كان لا بدّ لمعاملاتها التّجاريّة أن تمرّ عبر فرنسا التي كانت «تتقاضى رسماً بلغ خمسة في المئة من قيمة البضاعة على كلّ صفقة».

رأى الدّوق الأكبر التّوسكاني في تمرّد علي جانبولاد فرصة مثالية لخدمة تجارة دولته ومصالحها الأخرى في بلاد الشّام. وبعد القيام بالاتصالات الاستكشافية استطاعت بعثة توسكانية، أوفدت عام 1606، بمرافقة التّرجمان المسيحيّ الحلبيّ ومساندته، أن تتفاوض على معاهدة مع الباشا المتمرّد. وتكلّلت المفاوضات بالنّجاح ووقّع علي جانبولاد مشروع اتفاقية نصّت على التّعهد بمساعدات عسكريّة توسكانيّة للزّعيم الكرديّ مقابل تعهّده بمنح توسكانيا امتيازات تجاريّة واسعة. كما تضمّنت هذه المعاهدة فتح كلّ الموانئ في بلاد الشّام أمام الاستيراد والتّصدير غير المحدودين من قبل توسكانيا، ولكلّ أولئك الذين يعملون تحت مظلّتها. كما تضمّنت أن تحصل توسكانيا على المرور الحرّ إلى القدس، لا من أجل الحجّاج فقط، بل من أجل جميع الرّعايا التّوسكانيين في بلاد الشّام أيضاً. كما قضى مشروع الاتفاقية باستثناء التّوسكانيين المقيمين من الخضوع للمحاكم المحليّة، إضافة إلى امتيازات أخرى عديدة. وكانت توسكانيا، بالفعل، قد حشدت قوات بحرية ضخمة لدعم علي جانبولاد، وحاولت غزو قبرص في آب (أغسطس) 1607. ولكن تلك المحاولة لم تتكلّل بالنّجاح.

ولم يكن علي جانبولاد الحليف الوحيد، من بين زعماء بلاد الشّام، لتوسكانيا في مسعاها إلى التّغلغل دينياًّ وسياسيّاً وتجاريّاً في المنطقة. ففيرديناند الأوّل والبابا كليمنت الثّامن كانا على اتصال مع فخر الدّين معن منذ 1605، وربّما قبل ذلك التّاريخ. ولمّا كان الأمير فخر الدّين على علاقات جيّدة مع المسيحيين، والموارنة بخاصّة (وهم الذين كانوا إذّاك الكنيسة المسيحيّة الوحيدة المتّحدة مع روما) في منطقته، كما في المناطق المجاورة، فقد جدّد الدّوق الكبير صداقته مع البطريرك المارونيّ يوسف الرّزّي الذي قابله أيّام شبابه في روما. وكانت التّعليمات قد أعطيت لمبعوثي فيرديناند الأوّل لزيارة فخر الدّين، وطلب دعمه لإعادة فتح جزيرة قبرص، وإقناعه بأنّ ذلك يصبّ في مصلحته الخاصّة.

وعلاوة على ذلك كان هؤلاء المبعوثون قد تلقّوا التّعليمات بتزويد أمير الدّروز بألف بندقيّة، وعدم إعطائه المدافع الخمسة، التي وعد بها علي جانبولاد من قبل، إلّا إذا تمّ التّحقق من أنّ هزيمة الأخير من قبل العثمانيّين حاسمة ونهائيّة. ومن المرجح أنّ التّوسكانيين والبابا حوّلوا جلّ اهتمامهم إلى فخر الدّين بعدما تأكّد لهم بوضوح فشل تمرّد علي جانبولاد.

ومنذ 1607، أيّ عام هزيمة علي جانبولاد، أو ربّما قبيل ذلك، أصبح فخر الدّين محطّ آمال التّوسكانيين في إنجاح مشاريعهم المرجوّة في فتح قبرص والأراضي المقدّسة. فالتّقرير الذي كتبه رافائيل كاكياماري، مبعوث فرديناند المتحدّر من البندقيّة، يوصي بإرسال ألف جندي توسكاني لمساندة الدّروز. ويقترح، علاوة على ذلك، قوّة إضافيّة من عشرة آلاف رجل يمكن تجنيدها من موارنة جبل لبنان. وفي تقدير كاكياماري، أنّ في استطاعة التّوسكانيين أن يجمعوا أربعين إلى خمسين ألف جنديّ، منهم عشرة آلاف توسكانيّ، والبقيّة من الدّروز والموارنة في لبنان. وخلص التّقرير إلى أنّ الدّوق الكبير يمكنه، بهذا الجيش الذي لا يكلّف الكثير، أن يفتح بلاد الشّام والقدس، وأن يكون الملك المتوّج عليهما معاً. كذلك يتابع كاكياماري محدّداً الطّريقة المثلى لإقناع فخر الدّين بالتّعاون مع هذا المشروع.

 

رابط الحلقة السابقة

http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/24495978/مدينة-البندقيّة-ومصالحها-بين-عالم-المماليك-وعالم-العثمانيّين

 

 

* أستاذ التاريخ العثماني في الجامعة الأميركيّة في بيروت

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available